الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

82

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

مسيء ، وقد ظهرت صحّة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم - وكان أعدى الناس له وأشدّهم بغضا - فصفح عنه ، وكان عبد اللّه بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد ، وخطب يوم البصرة فقال : قد أتاكم الوغب اللئيم علي بن أبي طالب ( 1 ) . وكان علي عليه السّلام يقول : ما زال الزبير رجلا منّا أهل البيت حتّى شبّ عبد اللّه ( 2 ) ، فظفر به يوم الجمل فأخذه أسيرا ، فصفح عنه ، وقال : « اذهب فلا أرينّك » لم يزده على ذلك . وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكّة - وكان له عدوّا - فأعرض عنه ولم يقل له شيئا . وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره ، فلمّا ظفر بها أكرمها ، وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس ، عمّمهنّ بالعمائم وقلّدهن السيوف ، فلمّا كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به وتأفّفت وقالت : هتك ستري برجاله وجنده الّذين وكلهم بي . فلمّا وصلت المدينة ألقت النساء عمائمهنّ ، وقلن لها : إنّما نحن نسوة . وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيف وسبوّه ولعنوه ، فلمّا ظفر بهم رفع السيف عنهم ، ونادى مناديه في أقطار العسكر : ألا لا يتبع مولّ ، ولا يجهز على جريح ، ولا يقتل مستأسر ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن تحيّز إلى عسكر الإمام فهو آمن . ولم يأخذ أثقالهم ، ولا سبى ذراريّهم ، ولا غنم شيئا من أموالهم ، ولو شاء أن يفعل كلّ ذلك لفعل ، ولكنهّ أبى إلّا الصفح والعفو ، وتبع سنّة النبي صلّى اللّه عليه وآله يوم فتح مكة ، فإنهّ عفا والأحقاد لم

--> ( 1 ) نقل خطبة ابن الزبير المفيد في الجمل : 174 ، لكن هذا اللفظ لا يوجد فيه ، بل يوجد معناه . ( 2 ) هذا مما تفرّد به ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 480 شرح الحكمة ( 453 ) من رواية نهج البلاغة ، وأخرجه أيضا الجوهري في السقيفة وفدك : 60 ، وعاصم بن حميد في أصله : 23 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 : 10 ، وابن عبد البر في الاستيعاب 2 : 302 ، والصدوق في الخصال : 157 ح 199 ، والمفيد في الجمل : 208 .