الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
83
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
تبرد والإساءة لم تنس ( 1 ) . ولمّا ملك عسكر معاوية عليه الماء وأحاطوا بشريعة الفرات ، وقالت رؤساء الشام له : اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا ، سألهم عليّ عليه السّلام وأصحابه : أن يسوغوا لهم شرب الماء . فقالوا : لا واللّه ولا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفّان . فلمّا رأى عليه السّلام أنهّ الموت لا محالة تقدّم بأصحابه وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة ، حتّى أزالهم عن مراكزهم ، بعد قتل ذريع سقطت منه الرؤوس والأيدي ، وملكوا عليهم الماء ، وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم ، فقال له أصحابه وشيعته : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة ، واقتلهم بسيوف العطش ، وخذهم قبضا بالأيدي ، فلا حاجة لك إلى الحرب . فقال : « لا واللّه ، لا أكافئهم بمثل فعلهم ، افسحوا لهم عن بعض الشريعة ، ففي حدّ السيف ما يغني عن ذلك » ( 2 ) . فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا ، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله . وأمّا الجهاد في سبيل اللّه فمعلوم عند صديقه وعدوهّ أنهّ سيّد المجاهدين ، وهل الجهاد لأحد من الناس إلّا له وقد عرفت أنّ أعظم غزاة غزاها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأشدّها نكاية في المشركين : بدر الكبرى ، قتل فيها سبعون من المشركين ، قتل عليّ عليه السّلام نصفهم ، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر .
--> ( 1 ) روى سيرة علي عليه السّلام في أهل الجمل الطبري في التاريخ 3 : 543 سنة ( 36 ) ، والمسعودي في مروج الذهب 2 : 368 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 : 77 ، والمفيد في الجمل : 216 ، وغيرهم من أهل التاريخ والأثر . ( 2 ) نقله نصر بن مزاحم في وقعة صفين : 160 ، والطبري في التاريخ 3 : 566 سنة ( 36 ) ، والمسعودي في مروج الذهب 2 : 375 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 : 105 .