الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
80
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وانتبه معاوية يوما فرأى عبد اللّه بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره ، فقعد ، فقال له عبد اللّه يداعبه : يا أمير المؤمنين لو شئت أن أفتك بك لفعلت . فقال : لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر . قال : وما الّذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصفّ إزاء علي بن أبي طالب قال له معاوية : لا جرم أنهّ قتلك وأباك بيسرى يديه ، وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها . وجملة الأمر أن كلّ شجاع في الدّنيا إليه ينتهي وباسمه ينادي في مشارق الأرض ومغاربها . وأما القوّة والأيد فبه يضرب المثل فيهما ، قال ابن قتيبة في معارفه : ما صارع أحدا قطّ إلّا صرعه ( 1 ) ، وهو الّذي قلع باب خيبر واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه ، وهو الّذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة وكان عظيما كبيرا جدّا ، فألقاه إلى الأرض ، وهو الّذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيّام خلافته بيده بعد عجز الجيش كلهّ عنها ، فأنبط الماء من تحتها . وأمّا السّخاء والجود فحاله فيه ظاهرة ، كان يصوم ويطوى ويؤثر بزاده ، وفيه أنزل : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حبُهِِّ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً . إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لوِجَهِْ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 2 ) . وروى المفسّرون أنهّ لم يكن يملك إلّا أربعة دراهم ، فتصدّق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرّا ، وبدرهم علانية ، فانزل فيه : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
--> ( 1 ) المعارف لا بن قتيبة : 210 . ( 2 ) روى هذا الشأن الواحدي في أسباب النزول : 296 ، والخوارزمي في المناقب : 192 ، وابن الأثير بروايتين في أسد الغابة 5 : 530 ، والحسكاني بطرق في شواهد التنزيل 2 : 299 - 310 ، وابن مردويه عنه الدرّ المنثور 6 : 299 عن ابن عباس ، وروي بطرق عن علي عليه السّلام نفسه وعن أهل بيته عليهم السّلام . والآيتان ( 8 ، 9 ) من سورة الانسان .