الفيض الكاشاني

100

الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )

قلوبهم وأبدانهم ، وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة ، وجعل خلق أبدان المؤمنين من دون ذلك . وخلق الكفّار من طينة سجّين قلوبهم وأبدانهم ، فخلط بين الطينتين ، فمن ذلك يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن ، ومن هاهنا يصيب المؤمن السيّئة ، ومن هاهنا يصيب الكافر الحسنة ، فقلوب المؤمنين تحنّ إلى ما خلقوا منه ، وقلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه ) « 1 » . كأنّه عليه السلام أراد بعليّين ما يعمّ الملكوت المجرّد عن المادّة والصورة معاً والملكوت المجرّد عن المادّة فقط ، فإن خلق قلوب النبيّين من الملكوت الأعلى - أعني عالم العقول والأرواح - وخلق أبدانهم من الملكوت الأسفل - أعني عالم النفوس والأشباح - ، وأراد بالسجّين عالم الملك ذي المادّة . وإنّما لم يتعرّض لذكر الأبدان العنصريّة للنبيّين ؛ لأنّه لا علاقة لهم بها ، فكأنّهم وهم في جلابيب من هذه الأبدان قد نفضوها وتجرّدوا عنها لعدم ركونهم إليها وشدّة شوقهم إلى النشأة الأخرى . وإنّما نسب خلق أبدان المؤمنين إلى ما دون ذلك ؛ لأنّها مركّبة من هذه ومن هذه ، لتعلّقهم بهذه الأبدان العنصريّة ما داموا فيها . وإنّما نسب خلق الكفّار إلى سجّين ؛ لأنّهم لشدّة ركونهم إلى العالم الأدنى الذي هو بمنزلة السجن وإخلادهم إلى الأرض بشراشرهم ، كأنّهم ليس لهم من الملكوت نصيب لاستغراقهم في الملك . والخلط بين الطينتين إشارة إلى تعلّق الأرواح البرزخيّة بالأبدان العنصريّة ، بل نشؤوها منها شيئاً فشيئاً ، فكلّ من النشئتين غلبت عليه صار من أهلها ، فيصير مؤمناً حقيقيّاً أو كافراً حقيقيّاً أو بين الأمرين ، على حسب مراتب الإيمان والكفر . وأمّا الدليل على تقدّم أرواح الخواصّ والكمّل على الأجساد من جهة النقل : فمنه قول النبي صلى الله عليه وآله في الخبر المشهور : ( أوّل ما خلق اللَّه روحي ) . وفي رواية : ( نوري ) . ومنه : قوله صلى الله عليه وآله : ( إنّ اللَّه خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ) « 2 » . ومنه : قوله صلى الله عليه وآله : ( أوّل ما أبدع اللَّه تعالى النفوس المقدّسة المطهّرة فأنطقها بتوحيده ، ثمّ خلق بعد ذلك سائر خلقه ) « 3 » . ومنه : قوله صلى الله عليه وآله : ( نحن الآخرون السابقون ) « 4 » .

--> ( 1 ) - الكافي ، ج 2 ، ص 2 ، ح 1 ؛ علل الشرايع ، ج 1 ، ص 82 ، ح 2 . ( 2 ) - مجمع النورين ، ص 272 . ( 3 ) - الاعتقادات في دين الإماميّة ، ص 47 . ( 4 ) - صحيح البخاري ، ج 1 ، ص 65 ؛ مناقب آل أبي طالب ، ج 3 ، ص 61 .