الفيض الكاشاني
193
الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ( ص ) لِأَصْحَابِهِ : هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ بِالْإيمَانِ . ثُمَّ قَالَ لَهُ : الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ الشَّابُّ : ادْعُ اللهَ لِى يَا رَسُولَ اللهِ ! أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ . فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ ( ص ) ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِى بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ( ص ) فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ ، وكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ » ( « 1 » ) . وفى رواية أخري ما يقرب منه ، وفيها مكان الشابّ « حارثة بن مالك بن النعمان
--> ( 1 ) . الكافي : 2 / 53 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب حقيقة الإيمان ، ح 2 ؛ قال المؤلّف في ( الوافي : 3 / 149 - 150 ) في بيان الحديث : « « الخفقة » بالخاء المعجمة والفاء والقاف تحريك الرأس بسبب النعاس . و « الهاجرة » اشتداد الحرّ نصف النهار . و « العزوف عن الشئ » الزهد فيه . و « الاصطراخ » الاستغاثة . وهذا التنوير الذي أشير به في الحديث إنّما يحصل بزيادة الإيمان وشدّة اليقين ، فإنّهما ينتهيان بصاحبهما إلي أن يطّلع علي حقائق الأشياء محسوساتها ومعقولاتها ، فينكشف له حجبها وأستارها فيعرفها بعين اليقين علي ما هي عليه وصمة ريب أو شائبة شكّ ، فيطمئنّ لها قلبه ويستريح بها روحه وهذه هي الحكمة الحقيقيّة التي من أُوتيها فقد أوتى خيراً كثيراً ، وإليه أشار أمير المؤمنين بقوله : « هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَي حَقَائِقِ الْأُمُورِ فَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَي » . أراد ب - « ما استوعره المترفون » يعنى المتنعّمون رفض الشهوات البدنيّة وقطع التعلّقات الدنيويّة وملازمة الصمت والسهر والجوع والمراقبة والاحتراز عمّا لا يعنى ونحو ذلك . وإنّما يتيسّر ذلك بالتجافى عن دار الغرور والترقّى إلي عالم النور والأنس بالله ممّا سواه وصيرورة الهموم جميعاً همّاً واحداً ، وذلك لأنّ القلب مستعدّ لأن يتجلّي فيه حقيقة الحقّ في الأشياء كلّها من اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضي الله به إلي يوم القيامة وإنّما حيل بينه وبينها حجب كنقصان في جوهرة أو كدورة تراكمت عليه من كثرة الشهوات أو عدول به عن جهة الحقيقة المطلوبة أو اعتقاد سبق إليه ورسخ فيه علي سبيل التقليد والقبول بحسن الظنّ أو جهل بالجهة التي منها يقع العثور علي المطلوب وإلي بعض هذه الحجب أشير في الحديث النبوي : « لولا أنّ الشياطين يحومون علي قلوب بني آدم لنظروا إلي ملكوت السماء » » .