الفيض الكاشاني

186

الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )

كلام المجتهدين قدر أن يستنبط من متون الأحاديث . فإن قلت : من لم يقدر علي استنباط الأحكام من الحديث ولا الخروج من اختلافات أئمّة الحديث لعدم علمه بالعامّ والخاصّ والمقيّد والمطلق ونحو ذلك ، ولم يعرف الحديث المعمول به من الشاذّ ، ولا الموافق للعامّة من المخالف لهم ، ولا الموافق للكتاب من المخالف له ، إلي غير ذلك ممّا لابدّ منه ، ولم يكن عنده قول من يجوز تقليده حتّي يرجع إليه ؛ فكيف يصنع ؟ قلنا : وجود قول من يجوز تقليده من ضروريّات الدين ومن تمام شرائط التكليف ، فلا يجوز خلوّ الزمان عنه ، فلو خلا بلد منه وجب علي أهله النفور إلي بلد يمكنهم فيها تحصيل ذلك علي الكفاية ، قال الله تعالى : « فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » ( « 1 » ) ، وإذا كان ذلك - والعياذ بالله - فلا يجوز لأحد الاشتغال من التحصيل بشيء من العبادات ولا غيرها إلّا بقدر تحصيل المعاش الضروري لا غير ، ولو لم يفعلوا ذلك كان الكلّ مأثومين ؛ إذ لا يجوز لهم صرف شيء من الزمان في غير ذلك ؛ وأمّا خلوّ جميع البلاد فغير جائز ، لاستلزام رفع التكاليف وفسق جميع الأمّة وخروجهم عن العدالة ، وهو يستلزم رفع الثقة بشيء من أحكام الدين . فإن قلت : من كان قادراً علي استنباط الأحكام من كتب الحديث وكان في البلد من هو أعلم منه بطرق الاستنباط وأكثر تتبّعاً وأوفر تفقّهاً ، فهل يجب عليه الرجوع إلي قول الأعلم الأفقه أو يعتمد علي فقاهة نفسه ؟ قلنا : إذا كان وثوقه علي تتبّع ذلك الأعلم وتفقّهه أكثر من وثوقه علي فقاهة نفسه

--> ( 1 ) . التوبة : 122 .