الفيض الكاشاني

118

الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )

--> ما أخذ بحكم الطاغوت بين ما لو تحاكما فيه إلي العدل ولم يحكم له بذلك وبين ما حكم له بذلك ؛ لأنّ الأخذ في كليهما بحكم الطاغوت ، وأمّا صورة الاضطرار فالظاهر الفرق . هذا كلّه إذا كان الحاكم هو الطاغوت ، فأمّا إذا كان الحاكم هو العدل وإنّما أخذ حقّه منه بقوّة سلطان الطاغوت لتوقّف أخذ حقّه علي الاستعانة به ، فليس ممّا نحن فيه في شئ ، بل ذلك حديث آخر . والظاهر أنّه لم يحرم الحقّ بذلك . ثمّ ظاهر هذا الخبر وما في معناه ممّا يأتي في أبواب القضاء من كتاب الحسبة ووروده في سلاطين المخالفين وقضاتهم وفى حكمهم فسّاق قضاة الشيعة وحكّامهم الذين يأخذون الرشا علي الأحكام وتوابعها ويحكمون بغير ما حكم أهل البيت لدخولهم في الطاغوت سواء كانوا عارفين بأحكام أهل البيت أم لا ، أمّا إذا لم يحكموا بين الخصمين وإنّا حملوهما علي الصلح وأخذ البعض والإبراء عن الباقي فذلك حديث آخر . « من كان منكم » أي من الشيعة الإماميّة ، و « عرف أحكامنا » أي من أحاديثنا المحكمات لا من اجتهاده في المتشابهات واستنباطه الرأي منها بالظنون والخيالات باستعانة الأصول المخترعات . « المجمع عليه » أي المتّفق علي نقله المشهور بينهم وليس المراد به الإجماع المصطلح عليه بين أصحابنا اليوم ، كيف والكلام في الحديث وروايته ، لا القول والافتاء به ولهذا قال : « ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور » ، فالمراد ب - « المجمع عليه بين أصحابك » في هذا الحديث هو بعينه ما عبّر عنه بالمشتهر بين أصحابك في رواية زرارة عن أبي جعفر ، قال : « سَأَلْتُهُ ، فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ! يَأْتِى عَنْكُمُ الْخَبَرَانِ أَوِ الْحَدِيثَانِ الْمُتَعَارِضَانِ ، فَبِأَيِّهِمَا آخُذُ ؟ فَقَالَ : يَا زُرَارَةُ ! خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ ، وَدَعِ الشَّاذَّ النَّادِرِ . فَقُلْتُ : يَا سَيِّدِى إِنَّهُمَا مَعاً مَشْهُورَانِ مَرْوِيَّانِ مَأْثُورَانِ عَنْكُمْ ؟ فَقَالَ : خُذْ بِقَوْلِ أَعْدَلِهِمَا عِنْدَكَ وَأَوْثَقِهِمَا فِى نَفْسِكَ . فَقُلْتُ : إِنَّهُمَا مَعاً عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ مُوَثَّقَانِ ؟ فَقَالَ : انْظُرْ مَا وَافَقَ مِنْهُمَا مَذْهَبَ الْعَامَّةِ فَاتْرُكْهُ وَخُذْ بِمَا خَالَفَهُمْ . قُلْتُ : رُبَّمَا كَانَا مُوَافِقَيْنِ لَهُمْ أَوْ مُخَالِفَيْنِ ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ فَقَالَ : إِذَنْ فَخُذْ بِمَا فِيهِ الْحَائِطَةُ لِدِينِكَ ، وَاتْرُكْ مَا خَالَفَ الِاحْتِيَاطَ . فَقُلْتُ : إِنَّهُمَا مَعاً مُوَافِقَانِ لِلِاحْتِيَاطِ أَوْ مُخَالِفَانِ لَهُ ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ فَقَالَ : إِذَنْ فَتَخَيَّر أَحَدَهُمَا فَتَأْخُذُ بِهِ وَتَدَعُ الْآخَرَ » . وهذه الرواية رواها محمّد بن علي بن إبراهيم بن أبي الجمهور اللحسائى في كتاب « عوالي اللآلي » عن العلّامة الحلّى مرفوعاً إلي الزرارة ، والأخبار في هذا المعني كثيرة . وقد أوردنا شطراً منها في كتابنا المسمّي ب - « سفينة النجاة » وفى كتابنا الموسوم ب - « الأصول الأصيلة » ، وفى بعضها : « وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ فِى شئ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَرُدُّوا إِلَيْنَا عِلْمَهُ ، فَنَحْنُ أَوْلَي بِذَلِكَ ، وَلَا تَقُولُوا فِيهِ بِآرَائِكُمْ ، وَعَلَيْكُمْ بِالْكَفِّ وَالتَّثَبُّتِ وَالْوُقُوفِ ، وَأَنْتُمْ طَالِبُونَ بَاحِثُونَ ، حَتَّي يَأْتِيَكُ الْبَيَانُ مِنْ عِنْدِنَا » ، ولا يخفي أنّ ردّ علمه إليهم لا ينافي التخيير في العمل من باب التسليم فلا يجوز الفتوي بأنّه حكم الله في الواقع وإن جاز الفتوي بجواز