السيد ثامر العميدي

90

حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني

وآرائهم ، ابتداءً من زمن المنصور العبّاسي الّذي حمل الناس قهراً على كتاب الموطأ لمالك ابن أنس ، وكان تأليفه بإيعاز من المنصور ، وكان يقول لمالك : « واللَّه لئن بقيت ! لأكتبنّ قولك كما تكتب المصاحف ، ولأبعثنّ به إلى الآفاق ، فلأحملنّهم عليه » « 1 » ، ونادى منادي المنصور في ( سنة / 148 ه ) في موسم الحجّ أن لا يفتي الناس أحدٌ إلّامالك بن أنس « 2 » . وأراد هارون تعليق الموطّأ على الكعبة ! ! ! وحمل الناس على ما فيه « 3 » . ووفّر هارون أسنح الفرص أمام المذهب الحنفي لينتشر ببغداد على أثر إسناد مهام سلطة القضاء العليا في الدولة إلى أبي يوسف القاضي تلميذ أبي حنيفة ، الّذي حاول نشر فقه أستاذه بقوة السلطان وسلطان القوة « 4 » . كما تدخّل المأمون العبّاسي في مسألة القول بخلق القرآن الكريم وعاقب مخالفيه على ذلك بعد امتحان الناس بهذه المسألة ، ثمّ سار خلفه المعتصم ثمّ الواثق على طريقته ، حتّى أنّ الواثق قتل بيده أحمد بن نصر الخزاعي لأنّه كان يزعم قدم القرآن الكريم ويؤمن بالتشبيه ، وصلب جثّته في سامراء ستّ سنين . ولمّا جاء المتوكّل قضى على حرية الفكر ومال إلى المجسّمة والمشبّهة من الحنابلة ، فانتعشت عقائدهم الفاسدة وكثر جمعهم ببغداد وسادت كلمتهم . قال المسعودي : « ولمّا أفضت الخلافة إلى المتوكّل أمر بترك النظر والمباحثة في الجدال ، والترك لما كان عليه الناس في أيام المعتصم والواثق والمأمون ، وأمر الناس

--> ( 1 ) . سير أعلام النبلاء : ج 8 ص 61 - 62 الرقم 10 . ( 2 ) . المصدر السابق : ج 8 ص 108 الرقم 10 . ( 3 ) . المصدر السابق : ج 8 ص 98 الرقم 10 . ( 4 ) . راجع : كتاب الإمام الصادق عليه السلام والمذاهب الأربعة / أسد حيدر : ج 1 ص 153 - 175 بعنوان ( نشوء المذاهب ) ، وفيه تفصيل واسع عن دور السلطة العبّاسية في نشأة المذاهب الأربعة ، مع الكثير من الأدلّة المثبّتة لهذه الحقيقة تاريخياً .