السيد ثامر العميدي
64
حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني
ومن الملفت للنظر هو أنّ رجال الحركة الفكرية من الرازيين الشيعة لم ينحصر وجودهم في تلك المدينة ( الريّ ) وإنّما كانوا بوفرة في القرى المجاورة لها ، لاسيّما ( كلين ) تلك القرية التي نشأ بها ثقة الإسلام الكليني ؛ حيث خرّجت تلك القرية الصغيرة التابعة للريّ - والتي لم تزل قائمة إلى اليوم - الكثير من أعلام الحركة الفكرية ، وفيهم من تلقّى الكليني علومه الأولى منهم ، وسيأتي ذكرهم عند الحديث عن أسرة الكليني ونشأته . السبب الثاني : قرب الريّ من حصن التشيّع المنيع ( قم ) ، تلك المدينة التي مصّرها عرب الأشاعرة من الشيعة ، وأوّل من سكنها منهم سعد بن مالك بن الأحوص بن الصحابي المعروف بالسائب بن مالك الأشعري « 1 » ، وكان ذلك في زمان الدولة الأموية ، وتحديداً في عصر الإمام الباقر عليه السلام كما يظهر من طبقة سعد بن مالك . وهذا القرب القريب من الكثافة الشيعية وجوداً وفكراً وعطاءً مهّد للتشيّع الطريق لأن يجد له مكاناً في الريّ . السبب الثالث : قيام الانتفاضات والثورات العلوية المتعاقبة في بلاد فارس ضدّ الحكم الأموي ثمّ العبّاسي ، وقد امتدّ بعضها ليشمل الريّ نفسها ممّا أسهم ذلك بتخفيف ما كان يعانيه شيعة الريّ من ضغوط سياسية وطائفية إلى حدٍّ كبير ، هذا فضلًا عن دور تلك الإنتفاضات والثورات في ترسيخ الخطّ الشيعي المعبّر عن الإسلام بكلّ تفاصيله في تلك البلاد ؛ خصوصاً بعد تمكّن العلويين من إنشاء دولتهم في الطالقان التي امتدّ نفوذها إلى الريّ بعد ( سنة / 250 ه ) ، وقيام تلك الدولة بتعيين ولاةً أكفّاء على الريّ أحسنوا إدارتها ، نظير السيّد العلوي أحمد بن عيسى بن علي بن الحسين الأصغر الذي كان أميراً على الريّ من قبل الحسين بن زيد ( سنة / 270 ه ) ، وكان أحمد هذا عالماً ، راوياً للحديث ، وفقيهاً كبيراً « 2 » . ولمّا جاء دور أبي الحسن أحمد بن الحسن المادرائي الذي سيطر على الريّ ( سنة / 275 ه ) انتعش التشيّع كثيراً ، وأخذ نجم خصومه بالأفول ، واضمحلّ وجوده بلا
--> ( 1 ) . رجال النجاشي : ص 81 - 82 الرقم 198 في ترجمة أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري . ( 2 ) . سرّ السلسلة العلوية : ص 74 .