السيد ثامر العميدي
274
حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني
بذل الشيخ الكليني رحمه الله جهداً مميّزاً في تأليف كتاب الكافي وتصنيفه بعد عملية جمع وغربلة واسعة لما روي عن أهل البيت عليهم السلام في أصول الشريعة وأحكامها وآدابها ، كما يشهد بذلك تلوّن الثقافة الإسلامية الواسعة المحتشدة في كتاب الكافي ( اصولًا ، وفروعاً ، وروضة ) ، ومن الواضح أنّه ليس بوسع ( كُلَيْن ) تلك القرية الصغيرة تلبية حاجة الكليني لتلك المهمّة الخطيرة التي نهض بأعبائها وتحمّل مشاقّها طيلة عشرين عاماً ، ومن هنا تابع رحلته وعزم على سفر طويل لطلب العلم ، ومبادلة العلماء السماع والأخذ عنهم ، خصوصاً وأنّ الرحلة في ذلك الوقت - كما يقول ابن خلدون ( ت / 808 ه ) - « لابدّ منها في طلب العلم ؛ لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال » « 1 » ؛ لأنّها أصبحت من آداب طالب الحديث التي لا تنفكّ عنه ، ومن هنا لم يكتف أحد من علماء الحديث وأقطابه في حدود مدينته ، ولم تخل حياتهم من الرحلة العلمية في عرض البلاد وطولها . وقد كان حظّ الكليني من تلك الرحلة حظّاً واسعاً ، إذ طاف في الكثير من حواضر العلم والدين في بلاد الإسلام ، وسمع الحديث من شيوخ البلدان التي رحل إليها ، كما يعلم هذا من تتبَّع حياة ثقة الإسلام وإن لم يصرّح هو بذلك ، بخلاف ما اعتاده بعض المحدّثين . كالشيخ الصدوق ( ت / 381 ه ) مثلًا الذي اعتاد أن يذكر - بين آونة وأخرى - ما يدلّ على أسفاره ورحلته العلمية ، وذلك من خلال تصريحه - في كثير من كتبه - بسماع هذا الحديث أو ذاك ، من شيخه فلان في منطقة كذا وبتاريخ كذا ، وقد يذكر أحياناً مكان السماع دون الاكتفاء بالمدينة ، كأن يكون في المسجد ، أو في البيت ، أو في طريق الحجّ وهكذا ، مع ذكر الشهر زيادة على سنة السماع . وهو بهذا سهّل على الباحثين معرفة تسلسل رحلاته العلمية بدقّة ، الأمر الذي لم نجد له ذكراً في جميع أحاديث الكافي بلا استثناء .
--> ( 1 ) . المقدّمة لابن خلدون : ص 336 .