سعيد أيوب

54

معالم الفتن

صادقين ) ( 1 ) ، ولو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشد الأنفس امتنانا على الله بعملها ، وإذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة . فالامتنان على الله يبطل أمر الجهاد ، ويجعله ( كمثل صفوان عليه تراب . . . ) الآية ( 2 ) ، فهكذا نسج معاوية وابن العاص شباك الصيد التي تخدم أهواءهما كي يركبا على أعناق الأمة . ورد أمير المؤمنين وكان رده من محاسن الكتب . وجاء فيه : " أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمدا صلى الله عليه وسلم لدينه . وتأييده إياه لمن أيده من الصحابة . فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا ، إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله تعالى عندنا . ونعمته علينا في نبينا . فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر أو داعي مسدده إلى النضال . والمعنى : " فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا " موضع التعجب أن معاوية يخبر عليا كرم الله وجهه باصطفاء الله تعالى محمدا وتشريفه له . وتأييده له . وهذا ظريف لأنه يجري كإخبار زيد عمرا عن حال عمرو . إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم وعلي كرم الله وجهه كالشئ الواحد وقوله : " فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر " وهجر اسم مدينة . وهي بلدة كثيرة النخل يحمل منها التمر إلى غيرها ( 3 ) . ثم قال الإمام في خطابه : " وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلان وفلان ، فذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله . وإن نقص لم يلحقك ثلمه . وما أنت والفاضل والمفضول . والسائس والمسوس ، وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم . هيهات لقد جن قدح ليس منها ( 4 ) . وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها ( 5 ) . ألا تربع أيها الإنسان على ظلعك ( 6 ) .

--> ( 1 ) ابن أبي الحديد 316 / 4 . ( 2 ) سورة الحجرات : الآية 17 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 264 . ( 4 ) ابن أبي الحديد 605 / 4 . ( 5 ) هذا مثل يضرب لمن يدخل نفسه بين قوم ليس له أن يدخل بينهم . ( 6 ) أي وطفق يحكم في هذه القصة أو في القضية من يجب أن يكون الحكم لها عليه لا له فيها .