أبو علي سينا

30

الشفاء ( الإلهيات )

إياه . ولو كان كل تصور يحتاج إلى أن يسبقه تصور قبله لذهب الأمر في ذلك « 1 » إلى غير النهاية ، أو لدار . وأولى الأشياء بأن تكون متصورة لأنفسها الأشياء العامة للأمور كلها ، كالموجود ، والشيء الواحد وغيره . ولهذا ليس يمكن أن يبين « 2 » شيء منها ببيان لا دور فيه البتة ، أو ببيان شيء أعرف منها « 3 » . ولذلك من حاول أن يقوم فيها شيئا وقع في اضطراب ، كمن يقول : إن من حقيقة الموجود « 4 » أن يكون فاعلا أو منفعلا ، وهذا إن كان ولا بد فمن أقسام الموجود ، والموجود أعرف من الفاعل والمنفعل . وجمهور الناس يتصورون حقيقة الموجود ولا يعرفون البتة أنه يجب أن يكون فاعلا أو منفعلا ، وأنا إلى هذه الغاية لم يتضح لي ذلك إلا بقياس لا غير ، فكيف يكون حال « 5 » من يروم أن يعرف حال الشيء الظاهر بصفة له ، تحتاج إلى بيان حتى يثبت وجودها له ؟ وكذلك قول من قال : إن الشيء هو الذي يصح عنه الخبر ، فإن " يصح " أخفى من " الشيء " و " الخبر " « 6 » أخفى من " الشيء " ، فكيف يكون هذا تعريفا للشيء ؟ وإنما تعرف الصحة ويعرف الخبر « 7 » بعد أن يستعمل في بيان كل واحد منهما أنه " شيء " أو أنه " أمر " أو أنه " ما " أو أنه " الذي " ، وجميع ذلك « 8 » كالمرادفات لاسم الشيء ، فكيف يصح أن يعرف الشيء تعريفا حقيقيا بما لم يعرف إلا به ؟ نعم ربما كان في ذلك وأمثاله تنبيه ما . وأما بالحقيقة فإنك إذا قلت إن الشيء هو ما يصح الخبر عنه ، تكون كأنك قلت : إن الشيء هو الشيء الذي يصح الخبر عنه ، لأن معنى " ما " و " الذي " و " الشيء " معنى واحد ، فتكون قد أخذت الشيء في حد الشيء .

--> ( 1 ) في ذلك : ساقطة من ب ( 2 ) يبين : يتبين ص ( 3 ) منها : منه ط ( 4 ) الموجود : الموجودات م ( 5 ) حال : ساقطة من م ( 6 ) والخبر : والجزء م ( 7 ) الخبر : الجزء م ( 8 ) ذلك : هذه طا .