أبو علي سينا
مقدمة 26
الشفاء ( الإلهيات )
ففي حياة ابن سينا كان تلاميذه يتذاكرونه ، وفي مقدمتهم الجوزجاني وبهمنيار ، وتابعهم في ذلك تلاميذهم كاللوكرى والغيلاني من رجال القرن الخامس الهجري ، والسرخسي والنيسابوري من رجال القرن السادس « 1 » . وهنا تتصل السلسلة بنصير الدين الطوسي الذي يعد تلميذا مخلصا لابن سينا ، وإن تأخر عنه بنحو قرنين ونصف ، وقد وقف من « إلهياته » موقف الشارح والمدافع . وإلى جانب هؤلاء نجد مفكرين عظيمين من مفكري الإسلام في القرن الخامس للهجرة تعاصرا وتلاقيا في كثير في اتجاهاتهما ، ونعنى بهما الغزالي والشهرستاني ، قرءا « الإلهيات » وألما به إلماما دقيقا ، وأدركا ما فيه من مواطن الضعف . ويكاد الغزالي يركّز حملته على الفلاسفة - في شخص ابن سينا خاصة - حول البارئ وصفاته وصلته بمخلوقاته ، فلا يرتضى فكرة الألوهية على نحو ما صوّروها ، وينكر نظرية الصدور وقدم العالم « 2 » . والشهرستاني ، حين يفصل القول في حدوث العالم واستحالة قدمه ، يحكى على لسان ابن سينا آراء استمد أغلبها من « الإلهيات » « 3 » . ويجئ ابن رشد في القرن السادس ، فيختم سلسلة كبار الفلاسفة الإسلاميين ، وفي « تفسيره لما بعد الطبيعة » يرجع لابن سينا رجوعه إلى المشائيين الآخرين ، ويعرض آراءه المختلفة « 4 » . وفي العصور الأخيرة ، يمكننا أن نشير إلى النسفي والإيجي والتفتازاني الذين كانت مؤلفاتهم عمدة البحث النظري ، وقد أخذوا بدورهم عن « الإلهيات » ، وتأثروا به كثيرا . وإذا كانت الدراسات الكلامية هدف هؤلاء جميعا ، فلا غرابة في أن يرجعوا إلى كتاب ابن سينا وهو في صميم العلم الإلهى ، مؤيدين كانوا أو معارضين ، وفي فلسفتهم الدينية صدى واضح له .
--> ( 1 ) محمود الخضيري ، الكتاب الذهبي ، ص 53 - 59 . ( 2 ) الغزالي ، تهافت الفلاسفة ، بيروت 1927 ، ص 23 - 78 ، 79 - 132 . ( 3 ) الشهرستاني ، نهاية الاقدام ، لندن 1934 ، ص 25 - 29 ، 33 - 35 ، 224 - 225 . ( 4 ) ابن رشد ، تفسير ما بعد الطبيعة ، ج 3 ، ص 1498 .