عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

336

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

ليجعلها تقترب من مسامع القارئ ولتكون أشدّ إيذاءً واحتقاراً للمهجوّ . هذا الأمر يتجلّى في هجاء السيد الحميري لعائشة فنراه يهجوها ببيتين اثنين : « 1 » جاءَتْ مَعَ الأشْقَيْنِ فِي هَوْدَجٍ * تُزْجِي إلَى البَصْرةِ أجْنَادَهَا كأنَّهَا فِي فِعْلِها هِرَّةٌ * تُرِيدُ أنْ تَأكلَ أوْلَادَها فالصورة التي رسمها الشاعر لمهجوّتها مزرية فقد جعلها قائدةً تسوق جنودها إلى ساحة الحرب ، وجعل جنودها من الأشقياء لأنّ الحرب تنتهي بموتهم فشبّه عائشة قائدتهم بهرّةٍ وذهب إلى أبعد من ذلك في تحقيرها والإزراء بها حين جعلها تريد أن تأكل أولادها . يبدو أنّ الحميري سلك ضرب التندر والسخرية إذ نجده يسخر من مهجوته بأسلوب يثير الضحك . وتمتاز هذه الصورة التي رسمها الشاعر بكثرة الصور إذ تتلاحق الصور فيها كما أنّنا نلمس صورة قصصية إذ استخدم بعض عناصر القصّة في المقطوعة المذكورة مثل الحدث والشخصيّات والمناظر المتتالية بحيث تتألف من مجموعها صورة تنمّ عن حساسية فنيّة مرهفة ، واستطاع الشاعر أن ينسّق بين الصور حتى تبدو مجموعة الصور في النّهاية كأنّها لوحة مركبة . وأجمل من ذلك الموقف ، الأبيات التالية في هجاء عائشة حيث يقول الشاعر : « 2 » أَلَمْ يَعْهِدْ إلَيْك اللهُ أنْ لا * تُرَىْ أبَداً مِنَ المُتَبَرِّجِينا وَأَنْ تُرْخِي الحِجَابَ وَأنْ تَقَرِّي * وَلا تَتَبَرَّجِي للنَّاظِرِينا وَقَالَ لك النَّبِيُّ أَيا حُمَيرا * سَيُبْدَي مِنْك فِعلُ الحَاسِدِينا وَقَالَ سَتُنْبِحِينَ كلابَ قَوْمٍ * مِنَ الأعرَابِ وَالمُتَعَرِّبِينا وَقَالَ سَتَرْكبِينَ عَلَى خِدَبٍّ * يُسَمَّى عَسْكراً فَتُقاتِلِينا فالشاعر سرد تلك الحادثة في ثوب قصصي ساخر عبّر من خلالها عن سخطه وحرص على فضيحة مهجوّه مضمّناً أبياته روح الانتقام والتشفّي . وهذا يتّضح من تركيز الشاعر على

--> ( 1 ) - الحميري ، الديوان ، ص 79 . ( 2 ) - الحميري ، الديوان ، ص 202 .