عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

273

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

يَسْطُو عَلَى كتّابِهِ بِدَواتِهِ * فَمُمَضَّخٌ بِدَمٍ وَنُضْحِ مِدادِ وَكأنّهُ مِنْ دَيرِ هِزْقِلَ مُفْلِتٌ * حَرِدٌ يَجُرُّ سَلاسِلَ الأقْيادِ « 1 » فَاشْدُدْ أميرَ المؤمِنينَ وَثاقَهُ * فَأصَحُّ مِنهُ بَقيّةُ الحدادِ « 2 » ودعبل بهذه الأبيات يجرّد أبا عبّاد من الخصائص الإنسانيّة وما يتبعها من تكاليف أمثال العقل والتفكير ، وينزله إلى مرتبة الدوابّ بل أسفل منها . استطاع الشاعر في الوصول إلى غرضه من الهجاء أن يستخدم مجموعةً من الصور مثل « خرق على جلسائه ، ملحمة ويوم جلاد يسطو بدواته ، مضمخ بدم ، كأنّه من دير هزقل مفلت ، حرد يجرّ السلاسل ، أشدد وثاقه » . « 3 » التهديد من المبادئ التي آمنت بها الشيعة التمرد على الظلم ومناجزة الظالمين ، فقد انطلق دعبل من هذا المبدأ إلى مقارعة الظلم ، وكثيراً ما نراه يستخدم في هجائه السياسي التهديد كأسلوب لمواجهة السلطة العباسية ، وقد حدث هذا الموقف بكثرة في وقوفه أمام المأمون ، غير أنّ بعض الباحثين حاولوا التقليل من أهمية مواقف دعبل السياسية إبّان خلافته ووصفوه بالمبالغة في العفو ، فلذلك ذكروا أنّ هذه الصفة « دفعت الشاعر إلى التطاول عليه والتّمادي في هجائه ونقده ومعارضته في جرأة مكشوفة في مواقف عديدة ، كأنّما كان يضمن عفوه » . « 4 » ذكرت المصادر التاريخية أن المأمون لمّا حصل على الخلافة ، أمر بخلع السواد شعار العباسيين ولبس الخضرة شعار العلويين إرضاءً لهم ، غير أنّ تطوّر الظروف في بغداد سرعان ما جعله يتراجع عن مواقفه إزاء الشيعة فتغيرت علاقته بالعلويين بتمزيق الخضرة شعار العلويين ، فكان طبيعياً أن يتغير دعبل ويتخذ موقفاً مخالفاً لما كان من قبل . لذلك نراه يتفجّر غضباً

--> ( 1 ) - دير هِزقل : دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم ( الحموي معجم البلدان 2 : 540 ) . ويضرب به المثل لمجتمع المجانين ، ويقال للمجنون كأنّه من دير هزقل . ( 2 ) - بقيّة الحداد : على سبيل النسبة أو الإضافة . الوثاق : ما يشدّ به من قيد وحبل ونحوهما . ( 3 ) - عويضة ، ص 151 . ( 4 ) - السابق ، ص 13 .