عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
214
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
لا تَحْسَبَنْ جَهْلي كَحِلْمِ أبِي فَمَا * حِلْمُ الَمشايِخِ مِثْلُ جَهْلِ الأمْرَدِ « 1 » إنّي مِنَ القَوْمِ الّذينَ سُيُوفُهُم * قَتَلَتْ أخاك وَشَرَّفتْك بِمَقْعَدِ شَادُوا بِذِكْرِك بَعْدَ طُولِ خُمُولِهِ * وَسْتَنْقَذُوك مِنَ الحَضِيضِ الأوْهَدِ « 2 » كَمْ مِنْ كرِيمٍ قَبْلَهُ وَخَليفَةٍ * أضْحى لَنَا دَمُهُ لَذِيذَ المَقصَدِ مِثْلِ بنِ عَفّانَ وَمِثلِ وَليدِهِ * أوْ مِثلِ مَروانَ وَمثلِ مُحَمّدِ بدأ الشاعر قصيدته بالاستفهام وأخذ يتسائل عن أمر الخليفة الذي ظنّ أنّ الشاعر وقبيلته عاجزون عن القيام بمهمّتهم : هل يعرف ما جرى لمحمّد الذي قُتِل على يد خزاعة . وجدير بالذكر أنّ استفهامه لم يكن بالمعنى الحقيقي للاستفهام ، بل جاء هنا لغرض التقرير أي أنّ المأمون رأى ما حدث وعاينه بوضوح . وفي البيتين الأولين تتجلّى ثورة الشعر لدى دعبل في أسلوب تهكميّ ساخر يفضح حكم المأمون الذي لم يحقّق للشعب أىّ منجزٍ يذكر ، بل كان أداة هدم وخراب ، إلّا أنّ الحساب قادمٌ وسيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون . مهّد دعبل بالبيتين الأولين أرضية ملائماً للتطرّق إلى الموضوع الرئيس إذ أنشد أبياتاً يدرس فيها العوامل التي أدّت إلى تولّيه الخلافة ، فيشتدّ غضبه بعد البيت الثاني ويقول : إنّ قبيلته مستعدةٌ للقيام بما يبدو مستحيلًا فهؤلاء لا توجد كلمة " المستحيل " في قاموسهم بل هم مستعدّون لأخذ الثأر ولاينامون ، وهكذا استمرّ دعبل متمسكاً بمبادئه ومصرّاً على الإطاحة بحكم المأمون وازدادت ثورة الشعر أجيجاً ولهيباً لتنطلق صيحةً في وجه المأمون رافضةً لحكمه . ألسنا نجد في هذه الأبيات روح التحدي والإباء ؟ فطلّاب الثأر لا ينامون ، فهذا كناية عن استعدادهم لردّ الثأر والنّيل ممّن أوقع بهم عدواناً ويحذّر من أنّ لؤمه لايوازي خطر الحيّة العظيمة ، ويعرفه بأنّ حلم الكبار مختلف عن طيش الشباب وتمرّدهم متوسّلًا بلون من المقابلة بين الجهل والحلم وبين الشيخ والأمرد .
--> ( 1 ) - الحلم : العقل . ( 2 ) - الأوهد : ج الوهد : الحفرة ، والأرض المنخفضة .