عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

215

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

وقد لا تكون هذه الجرأة في رفع الصوت وتوجيه النقد إلى الخليفة موجودة عند معظم الشعراء ، فقد دفع ظلم الخلفاء والحكام وقسوتهم كثيراً من الشعراء إلى المداهنة والمجاملة خوفاً من بطش الخلفاء بهم ، ونهب أموالهم والتنكيل بأقاربهم وأبنائهم ، ودعبل كان نجمةً تتألق في سماء الأدب العربي عبر عصوره المختلفة ، ولم يكن هذا إلّا أثراً من تعاليم الأئمة وإرشاداتهم بحيث استطاع الشاعر أن يقول كلمته عند الإمام الجائر . ونرى الشاعر أحياناً كثيرة يقول كلمته صريحاً حاسماً « حين يشعر في بعض الفترات بالظلم الواقع عليه ، ولم يظهر الولاء ويبطن العداء ولم يلجأ إلى الأساليب الجبانة ، بل قال كلمته في خشونة حين دفع إليها دفعاً فأفصح عنها مصرّحاً لا معرّضاً » . « 1 » انظر إلى الأبيات الأربعة الأخيرة التي انقلب الشاعر على المأمون وصرَّح بلغةٍ حادّةٍ كيفيةَ استيلائه على عرش الخلافة إذ يرى الشاعر نفسه واحداً من الذين شرّفوه بهذه المنزلة ، وأوصلوه إليها . وهنا أظهر ندمه على ذلك ، وأخذ على نفسه وعلى قومه بني خزاعة مساعدتهم له ، وتمنّى لو أبقوه خامل الذكر . كما أنّ الشاعر ذكّر المأمون المصير الذي انتهت إليه عاقبة بعض الخلفاء وعلى رأسهم الخليفة الثالث . وقد حملت هذه القصيدة بعض النفوس الضعيفة على لؤم دعبل ونصحه أن يكفّ عن نقد المأمون والتشهير بسياسته قائلًا له : أنت أجسر النّاس حيث تقول : إنّي مِنَ القَوْمِ الّذينَ سُيُوفُهُم * قَتَلَتْ أخَاك وَشَرَّفَتْك بِمَقْعَدِ فأجابه دعبل : يا أبا إسحاق إنّي أحمل خشبتي منذ أربعين سنة ولا أجد من يصلبني عليها . « 2 » ونلاحظ بوضوح فيما سبق أنّ الشاعر استخدم لغةً لاذعة في هجائه السياسي ضدّ المأمون كما أنّه قرنه بالتّهديد والتهكم اللّذين يتلازمان مع الهجاء . ويبدو أنّ هذه الميزة تختص بدعبل الخزاعي ، فكم من شعراء عاصروه وشهدوا ما شهده الشاعر من الظلم

--> ( 1 ) - عويضة ، ص 146 . ( 2 ) - انظر : موسى ، ص 27 .