مهدي عابدي
12
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي
لهذا تحدّثنا عن عصره السّياسي والعلمي والأدبي وتحدّثنا عن معالم حياته وأخلاقه وثقافته وصِلاته بوزراء عصره وبؤسه وتصوّفه ، ثمّ عرضنا مؤلّفاته كلّها وحلّلنا منها ما سلم من دواهي الدّهر وحوادث الحدثان ، ثمّ درسنا بتفصيل خصائصه الفكرية والفنّية ورأينا أنّ هذه الخصائص لاتنكشف عن حقيقتها إلّا بالموازنة المنصفة بينه وبين كتّاب عصره وحقبته واتّخذنا الجاحظ نموذجاً . كان أبوحيّان كلفاً ومولعاً بالجاحظ وتردّد في الأدب القديم والحديث أنّه خليفة الجاحظ أو الجاحظ الثاني ، فكان لابدّ من الموازنة بينهما . والاهتمام بالعلاقة بين المجتمع ورؤية المؤلّف يقرّ بالتّفاعل بين المبدع والمجتمع والتفاعل لا يعني الإنعكاس والصّدى ضرورةً ومؤلّفات أبي حيّان التّوحيدي من أفضل الآثار المعبّرة عن ذلك التفاعل ؛ فأبوحيّان ذو شخصية جذّابة يظهر أسلوبه ومواقفه من قضايا عصره بدراسة آثاره ، ثمّ إنّه مثلما قال آدم متز فيه : « ربّما كان أعظم كتاب النثر العربي على الإطلاق . » ( متز 2 : 125 ) ويعتبر كتاب الإمتاع والمؤانسة من بين سائر كتب المؤلّف أشدّها صلةً بالمجتمع ، ففيه حديث طويل مسهب عن المجتمع ، يعكس رؤية أبي حيّان إلى الحياة ، لذلك اعتمدناه مصدراً لدراسة المجتمع والرؤية . وقد وقع اصطفائي على موضوع الرسالة في مرحلة دكتوراه « تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع والمؤانسة » لأسباب عديدة ، أهمّها : أ . إنّ هذا الموضوع المستحدث في إطاره النقدي لم يحظَ بدراسة مستفيضة تستوفي حقّه الأدبي من قبل النقّاد قديماً وحديثاً . ب . زدْ علي ذلك إنّ كتاب الإمتاع والمؤانسة مُفعمٌ بقضايا اجتماعية ومن بين كتب المؤلّف أشدّها صلةً بالمجتمع ، ففيه حديث طويل عن المجتمع وقد تلوّن برؤية أبي حيّان للحياة وقد صوّر لنا بوضوح المجتمع العباسي في أزهى عصوره الذّهبية في القرن الرابع الهجري . ج . إنّ الموضوع الذي تعرضه هذه الرّسالة جاء في منهج حديث من البحث بحيث استنبطنا منه رؤى جديدة ، مثمرة حول المجتمع العباسي في القرن الرابع . د . نروم من النظر في كتاب الإمتاع والمؤانسة إستخلاص خصائص المجتمع الذي عاشه أبوحيّان نفسه وصوّره له بريشته الأدبية ثمّ تحديد مواقفه منه والاهتمام بالعلاقة بين المجتمع ورؤية المؤلّف للتفاعل بين المبدع والمجتمع .