مهدي عابدي

11

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي

المقدّمة : النقدالإجتماعي ، مصطلح بمعناه المحدّد والدّقيق حديث العهد ، أمّا الفكرة فقديمة وترتبط بحركة العلوم الاجتماعية الوليدة ذاتها وبالتأمّل في الوقائع المتداخلة الاجتماعية الثّقافية . وفي الحقيقة إنّ فكرة تفسير الأدب والحدث الأدبي عن طريق المجتمعات التي تنتجهما وتتلقّاهما قد عرفت عصرها الذّهبي في فرنسا في بداية القرن التّاسع عشر والنقد الاجتماعي بحسب تعريف كلود دوشية « يستهدف النصّ ذاته باعتباره المكان الذي يتدخّل فيه ويظهر طابعاً اجتماعياً ما . » ( الحوفي 1 : 25 ) ولا ننسى هنا أنّ مشروع النقد الاجتماعي كان مشروعاً ذا تاريخ ، كما أنّنا لا ننسى أيضاً أنّه مشروع مترامي الأطراف وسيبقى هكذا ، إذن يشير النّقد الاجتماعي إلى قراءة ما هو تاريخي واجتماعي وإيديولوجي وثقافي في هذا التّجسّم الغريب الذي هو النصّ . والنصّ هو المرجع الأوّلي الذي يبتني عليه كلّ نظرية أسسه وإنّ كينونة النصّ في جوهرها تجسيد إمّا لواقع المجتمع أو لنفسية المبدع وإنّ قيمة النصّ في ما ينشئه في المتلقّي والقارئ من أفق جمالي يتنوّع من متقبّل إلى آخر وفق أنساق وأنماط معارفه اللّغوية والفلسفية ورؤآه إلى الحياة . وقد رأينا أن نرجع في هذا العمل إلى نصّ قديم هو الإمتاع والمؤانسة لأبي حيّان التوحيدي ، نروم من النظر فيه إستخلاص خصائص المجتمع الذي صوّره وتحديد رؤية المؤلّف له وتوسّلنا في سبيل تحقيق ذلك بما تسمّى « القراءة النصّية » . والقراءة النصّية تنظر في النصّ نظراً مباشراً دون أن تستند إلى قراءات أخرى ؛ نظرنا في الإمتاع والمؤانسة وحدّدنا رؤية المؤلّف للمجتمع العباسي ولكنّ النصّ بُنية منخلعة عن التّفاعل مع الخارج ويخلو فيها الذّهن من كلّ الآراء المسبقة حول الأثر ، وما موضوع الدّراسة إلّا من الوسائط المنهجية في تمحيص النصّ والإستقصاء وتدقيق النّظر فيه . ولم يكن بدّ في هذه الدراسة من إلمامة بالمؤثّرات في حياة الكاتب وفي مكانته وفي أدبه ، قبل دراسة أدبه نفسه .