السيد أحمد الحسيني الاشكوري
82
المفصل فى تراجم الاعلام
وكان سيداً جليلًا وشخصية فذة وعبقرية نادرة وذاكرة عجيبة ويداً سخية وخلقاً محمدياً ، حوى خصال الكمال وصفات غلب الرجال ، فتأهل للزعامة والرئاسة ، وتألق نجمه في الأوساط شيئاً فشيئاً حتى انتهت إليه المرجعية التقليدية ، فقد طبقت شهرته الآفاق وأصبح مفتي الشيعة في سائر الأقطار الاسلامية » . طاقات أمة في فرد : قال الشيخ محمد الشريعة من كلمة له بعنوان ( المثل الأعلى للزعامة الدينية ) يصوّر بها بعض مواقف المترجَم خلال الحرب العالمية الثانية : لقد عرفه الجميع في ساعة المحنة والشدة أكثر مما عرفوه في الأوقات الأخرى ، ولقد شاهدت النجف طائفة كبيرة من هؤلاء الزعماء الروحانيين الذين اجتازوا دورَ التجربة بتوفيق باهر ونجاح عظيم ، ولكن الذين ( كالسيد أبو الحسن ) كانوا قليلين ، والسبب في ذلك - على ما نرى - عائد إلى تلك المواهب التي خص اللَّه بها النوابغ والعباقرة أولًا ، ولمزاولة جميع الشؤون بنفسه وعدم اتكال على أحد في إنجاز الأعمال ثانياً ، وقد يكون للسبب الثاني أهمية لا تقلّ عن أهمية السبب الأول . والعمل الذي ألقي على عاتق زعيم مثله إنما هو عمل عظيم جداً يتطلب مجهوداً قد يكون به المستحيل أداؤه ما لم يكن هذا المجهود نتيجة تضافر عدة أشخاص معروفين بالحزم والصبر والخبرة الواسعة ، ولكن المعجزة والعجب في قيامه بنفسه بكل هذه الأعمال الشاقّة وهو في سن ما أحوجها إلى الراحة والاستقرار ، فإنه فضلًا عن قيامه بالتدريس والبحث اليومي وحضوره صلاة الجماعة في أوقاتها والفسح في المجال لزائريه بزيارته ومقابلته في مختلف الأوقات ، فإنه مكلَّف بقراءة البريد في كل يوم والإجابة على الفتاوى والرسائل بقلمه دون أن يساعده أحد في ذلك . وكم ستكون دهشة القارئ عظيمة إذا علم بأن نصف مستورد بريد النجف - والرسل الآخرون إن لم يكن أكثر - من الرسائل اليومية إنما هو معنونة باسمه ، ونصف ما يستصدر البريد ورسله الخاصة ، إنما يستصدره من مكتبه وبقلمه ، والإجابة على أغلب هذه الرسائل لا يخلو من تعب وكلفة ومشقة ، فالكثير من هذه الرسائل يتصل بفتاوى ليس من السهل الإجابة عليها قبل تأمل طويل ، لعدم حصول نظائرها من قبل أو تداخل مشاكلها بعضها في بعض .