الشهيد الأول
187
جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )
ودعوى أنّ الأمر بالحذر عن المخالفة يبطلها عدم تعيّن المأمور بالحذر ، وليس هم الذين يتسلّلون ؛ لأنّهم المخالفون عن أمره ، فلا يؤمرون بالحذر عن أنفسهم ، مع أنّ ضمير « الحذر » مفرد ، ولو عاد إلى « الذين » لكان جمعاً ، ولو سلّم بقي « أَنْ تُصِيبَهُمْ » « 1 » الآية ضائعاً ؛ لأنّ « يحذر » لا يتعدّى إلى مفعولين ، ولا ندّعي وجوب الحذر ، بل جوازه ، وهو كافٍ ؛ إذ جوازه مشروط بوجود ما يقتضي وقوعه ، وإلّا لكان حذراً عمّا لا يوجد ، ولم يوجد المقتضي لوقوعه ، وهو سفه ممتنع . والأمر المذكور للعموم بإمكان « إلّاالأمر الفلاني » ولأ نّه رتّب العقاب على المخالفة ، والترتّب يشعر بالعلّيّة ، فيتحقّق الحكم في جميع صور الوصف ، ولا قائل بالفرق بين أمر الله تعالى وأمر النبيّ صلى الله عليه وآله . الرابع : تارك المأمور به عاصٍ ؛ لقوله تعالى : « أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي » « 2 » ، و « لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً » « 3 » ، والمراد به ترك المأمور به . وقال الحماسي : أطعتِ الآمريكِ بصرم حبلي * مُريهم في أحبّتهم بذاكِ فإن هم طاوعوك فطاوعيهم * وإن عاصوك فاعصي من عصاك « 4 » والعاصي مستحقّ للعقاب ؛ لقوله تعالى : « وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » « 5 » الآية . أُورد بمنع الصغرى ؛ لأنّه لو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به لكان قوله تعالى : « وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » « 6 » عقيب قوله تعالى : « لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ » 7 تكراراً ؛ لأنّ عدم العصيان دليل على فعل ما أُمروا به ، ولأنّ المستحبّ قد يكون مأموراً به ، وتركه غير عصيان ، وبمنع كلّيّة الكبرى بقرينة الخلود المختصّ بالكفّار .
--> ( 1 ) . النور ( 24 ) : 63 . ( 2 ) . طه ( 20 ) : 93 . ( 3 ) . الكهف ( 18 ) : 69 . ( 4 ) . ديوان الحماسة ، ص 428 - 429 ، الرقم 574 ؛ الأغاني ، ج 17 ، ص 106 . ( 5 ) . الجنّ ( 72 ) : 23 . ( 6 ) و 7 . التحريم ( 66 ) : 6 .