الشيخ محمد حسن المظفر

41

دلائل الصدق لنهج الحق

ولو أعرضنا عن ذلك ، فقد كان يمكنهم منع بيعة الأنصار والاختلاف الناشئ منها بأن يقول عمر : لا تجوز البيعة من دون مشورة المسلمين ؛ لأنّها فلتة يخاف شرّها ، فانتظروا ريثما نفرغ من جهاز النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويجتمع المسلمون ، فإنّ لهم حقّا في الرأي . أترى أنّ ذلك لا يرضي الأنصار ، ولم يكن أقرّ لعيونهم من بيعة أبي بكر رغما على سعد وقومه ؟ ! بل تأخيرها إلى الاجتماع هو المتعيّن ؛ لأنّ مسارعتهم إلى بيعة أبي بكر في حال طلب الأنصار بيعة سعد أولى بخوف الفتنة وذهاب الإسلام . ثمّ إنّ ما ذكره الخصم من زيغ القلوب عن الإسلام ، لا وجه له ؛ لأنّ من حضر المدينة عدول كلّهم عند السنّة ، ومن لم يحضرها لم تعلم حالهم عند وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والقسم الوافر منهم من الصحابة ، وهم عدول . . فمن أين علم الشيخان زيغ القلوب حتّى ينشأ من الاختلاف حينئذ ذهاب الإسلام ؟ ! ولو تنزّلنا عن ذلك كلّه وقلنا بصحّة مسارعة عمر لبيعة أبي بكر ، فنهيه عن البيعة بعد موته من دون مشورة المسلمين خطأ ؛ لأنّ الحاجة حينئذ إلى المسارعة أشدّ ؛ لكثرة المسلمين ، وعدم تيسّر اتّفاق آرائهم أو رؤسائهم ، فإذا وقعت البيعة لواحد وجب إتمامها على مذهب السنّة ؛ لقولهم بانعقاد البيعة وثبوت الإمامة ولو بالواحد والاثنين « 1 » . ومنه تعلم أنّ إيجاب عمر لضرب عنق من يبايع فلتة أخرى ،

--> ( 1 ) انظر : تمهيد الأوائل : 467 - 468 ، غياث الأمم : 85 - 89 ، المواقف : 400 ، شرح المواقف 8 / 352 . وراجع : ج 4 / 260 وما بعدها ، من هذا الكتاب .