العلامة الحلي

20

الألفين الفارق بين الصدق والمين ( ط المؤسسة الاسلامية )

البليّات فيها لاحقة للأنبياء والأولياء ، وهي منقضية ، وقد حكمها اللّه تعالى ، وأحكم خلق بدن الإنسان وجعل فيه من القوى المدركة والغاذية وما يتوقّف عليه ، وجعل له قوى العلوم بمراتبها ، وفيه من العجائب ما يبهر عقل كلّ عاقل ، ولا يعرف ذلك إلّا من وقف على علم التشريح . ثمّ خلق من المطعومات والمشمومات والمركوبات والنبات والحيوان والمعادن وحركات الكواكب وتأثيراتها بالحرّ والبرد ما يدلّ بصريحه على تمام حكمة صانعه ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين . ثمّ قال تعالى : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً « 1 » ؛ تكرمة لبني آدم . فالعاقل إذا أمعن النظر بصحيح الفكر والاعتبار يجد هذه الدار التي سمّاها لهوا ولعبا ودار الغرور بهذه الحكمة ، ويكرّم الإنسان فيها بهذه الكرامة بهذه المنافع ، لم يهمل دار قراره وآخرته ، بألّا ينصّب إماما معصوما يحصل اليقين بقوله ، يحفظ الشرع ، ويقيم نظام النوع ويهديه ، ويلزمه الطريق الذي يوصله إلى دار القرار ، بل يجعل ذلك موكولا إلى الخلق ولا يجعل فيهم معصوما ، ليختار [ أرباب العقول ] « 2 » الضعيفة والقوى الشهوية والغضبية القوية بعقلهم من لا يحصّل اليقين بقوله هو ، ولا يوثق بفعله ؛ إذ يجوز عليه الخطأ أو أكبر منه ، فلا يحصل له طريق إلى اليقين بحكم اللّه تعالى . فكيف يمكن إحكام أمور الإنسان في هذه الدار وإهمال أموره في تلك الدار ، مع أنّ هذه الدار ليست بمقصودة بالذات ، إنّما المقصود تلك ؟ هذا ينافي الحكمة بالضرورة ، ولا يقول به من له أدنى فطنة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . الرابع والعشرون : الدليل لا بدّ أن يمتنع معه نقيض المدلول ، وإلّا لم يكن دليلا

--> ( 1 ) البقرة : 29 . ( 2 ) في « أ » : ( باب الغرور ) ، وما أثبتناه من « ب » .