العلامة الحلي
155
تذكرة الفقهاء ( ط . ج )
لا قبح فيه ، بل هو عندهم نفس الواقع ، حيث كلّف من لا يقدر على فعل ولا يتمكّن من ترك . وهذا أيضا لازم لهم من جهة أخرى ، فإنّهم قالوا : القدرة غير متقدّمة على الفعل ، فحينئذ الفعل حالة وقوعه يكون واجبا ، وحال عدمه يكون ممتنعا ، والواجب غير مقدور عليه ، وقبل وقوع الفعل لا قدرة ، وحال القدرة لا فعل ، والتكليف عندهم لا يتقدّم الفعل ، فقد كلّف ما لا يطاق ، ويلزمهم من هذه الحيثيّة انتفاء العصيان من الكافر والفاسق ؛ لأنّ المعصية هي ترك ما أمر به ، والفعل قبل وقوعه غير مكلّف به ، فلا يكون تاركه مخالفا للأمر ، فلا يكون عاصيا . ومنها : أنّه يلزم انتفاء فائدة التكليف ؛ لأنّ التكليف هو البعث على فعل الطاعة والانتهاء عن المعصية حتى يحصل الثواب والعقاب ، ومع انتفاء الحسن والقبح العقليّين يجوز الخلف في خبر اللّه تعالى ووعده ووعيده وبعثه الرّسل الكذّابين ، وإذا لم يبق وثوق بوعد اللّه تعالى ووعيده ولا بصدقه ولا بصدق رسله كيف يمتثل العبد ما كلّف به ، فإنّ في المشاهد لو كلّف السيّد عبده بشيء وتهدّده على تركه ووعده على فعله وعلم العبد أنّ سيّده يكذب في ذلك كلّه وأنّه يجوز أن يفعل السيّد به أنواع العذاب لو امتثل أمره لعلم بالضرورة عدم إقدام العبد على ذلك الفعل ، بل يتعجّل راحة ترك التكليف . ومنها : أنّه يلزم أن لا يحصل الجزم بصدق أحد من الأنبياء ألبتّة ؛ لأنّه على تقدير نفي الحسن والقبح العقليّين يجوز إظهار المعجزات على يد الكذّاب ، فإذا ادّعى الرسول الرسالة ثمّ ظهرت على يده المعجزات الباهرة جاز أن يكون كاذبا وأن يكون اللّه تعالى قد أقدره على ذلك طلبا لإضلال