العلامة الحلي

153

تذكرة الفقهاء ( ط . ج )

قدم أصل الكلام وقدم الأمر والنهي والخبر غير المعقول الصدور من الحكيم ، فإنّ الواحد منّا لو جلس في داره وحده ثمّ قال : يا سالم قم ، يا غانم اخرج ، ولم يكن عنده أحد ، عدّه العقلاء سفيها ، والضرورة قاضية بذلك ، فهؤلاء قد خالفوا ، ومع ذلك يلزم أن يكون اللّه تعالى كاذبا ؛ لأنّه أخبر بقوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً « 1 » وغيره من الإخبارات الماضية مع أنّه لا سابق على الأزلي ، فقد أخبر تعالى بما لم يكن ، ولا معنى للكذب سوى ذلك ، ومن جوّز ذلك على اللّه تعالى فهو أجهل الناس . ومنها : أنّهم أثبتوا للأمر معنى مغايرا للإرادة سمّوه الطلب ، وللنهي معنى آخر غير الكراهة سمّوه الطلب ، وجوّزوا أن يأمر اللّه تعالى بما يكرهه وأن ينهى عمّا يريده ، بل اللّه تعالى كاره للطاعات التي لم يفعلها الكافر ، ومريد للمعاصي التي فعلها وقد قال اللّه تعالى : كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً « 2 » وهذا هو عين السفه والجهل ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . وأيضا فإنّهم نفوا الحسن والقبح العقليّين ، ولزمهم من ذلك محالات : منها : مخالفة الضرورة في ذلك ، فإنّ كلّ عاقل يعلم بالضرورة حسن الصدق النافع وقبح الكذب الضارّ وحسن الإحسان إلى الغير وقبح الظلم له ، وأنّه يقبح تكليف الأعمى بنقط المصاحف وتعذيبه على تركه ، وتكليف الزّمن الطيران إلى السماء وتعذيبه على تركه ، ولأنّ كلّ عاقل يعلم بالضرورة الفرق بين المحسن والمسئ ، وأنّ المحسن يستحقّ المدح والثناء

--> ( 1 ) سورة نوح : 1 . ( 2 ) سورة الإسراء : 38 .