العلامة الحلي
152
تذكرة الفقهاء ( ط . ج )
وأيضا فهؤلاء أهل السّنّة والجماعة ارتكب بعضهم في باب أفعال العباد ما يخالف العقل ، وهو أنّهم لمّا لزمهم الشناعات العظيمة السابقة وغيرها التجأوا إلى إثبات شيء لا يعلمونه ، وهو الكسب ، فقالوا : العبد غير فاعل للفعل لا بالاستقلال ولا بالشركة ، ولكنّه مكتسب له ، فسئلوا عن معنى الكسب ما هو ؟ فقال بعضهم : إنّه صفة الفعل من كونه طاعة أو معصية ، وقال آخرون : إنّه عبارة عن اختيار الفعل ، فقيل لهما : هذا الصادر إن لم يكن شيئا فلا صدور ولا صادر ولا مؤثّر فيه ، وإن كان شيئا صادرا عن العبد فقد اعترفتم بكون العبد فاعلا ، فلم خالفتم الضرورة في إسناد الفعل إلينا ؟ فالتجأ بعضهم إلى عدم العلم بهذا الكسب ، وقالوا : إنّه غير معلوم ، وهذا أشدّ استحالة من الأوّل ، فإنّ إثبات ما ليس بمعلوم كنفي ما هو معلوم في الاستحالة ، وأيّ جهل أعظم من ذلك ؟ وأيضا ارتكب أهل السّنّة والجماعة في باب الكلام أشياء مخالفة للعقل ، والضرورة قاضية ببطلانها . منها : أنّهم قالوا : إنّ الكلام الذي تعرفه الناس بأسرهم ليس هو الكلام بالحقيقة ، وإنّما الكلام بالحقيقة عبارة عن صفة نفسانيّة قائمة بالمتكلّم مغايرة للإرادة والتخيّل والعلم ، وهذه الحروف والأصوات عبارة عنها وكناية لها . ومنها : أنّهم قالوا : إنّ هذا الكلام ليس بأمر ولا خبر ولا استخبار ولا نهي ، وإنّ جميع أساليب الكلام مسلوبة عنه ، وإنّه شيء واحد . وهذا غير معقول . ومنها : أنّهم قالوا : إنّ ذلك الكلام قديم ، ثمّ ذهب بعضهم إلى أنّه في الأزل أمر ونهي وخبر وغير ذلك ، وبعضهم نفى هذه الصفات عنه ، وأثبتوا