الشوكاني
65
فتح القدير
الخير ، والإثم هو ما يستحقه الظان من العقوبة . ومما يدل على تقييد هذا الظن المأمور باجتنابه بظن السوء قوله تعالى - وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا - فلا يدخل في الظن المأمور باجتنابه شئ من الظن المأمور باتباعه في مسائل الدين ، فإن الله قد تعبد عباده باتباعه ، وأوجب العمل به جمهور أهل العلم ، ولم ينكر ذلك إلا بعض طوائف المبتدعة كيادا للدين وشذوذا عن جمهور المسلمين ، وقد جاء التعبد بالظن في كثير من الشريعة المطهرة بل في أكثرها . ثم لما أمرهم الله سبحانه باجتناب كثير من الظن نهاهم عن التجسس فقال ( ولا تجسسوا ) التجسس : البحث عما ينكتم عنك من عيوب المسلمين وعوراتهم ، نهاهم الله سبحانه عن البحث عن معايب الناس ومثالبهم ، قرأ الجمهور " تجسسوا " بالجيم ، ومعناه ما ذكرنا . وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين بالحاء . قال الأخفش : ليس يبعد أحدهما من الآخر ، لأن التجسس بالجيم : البحث عما يكتم عنك ، والتجسس بالحاء : طلب الأخبار والبحث عنها . وقيل إن التجسس بالجيم هو البحث ، ومنه قيل رجل جاسوس : إذا كان يبحث عن الأمور ، وبالحاء ما أدركه الإنسان ببعض حواسه . وقيل إنه بالحاء فيما يطلبه الإنسان لنفسه ، وبالجيم أن يكون رسولا لغيره قاله ثعلب ( ولا يغتب بعضكم بعضا ) أي لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوءه ، والغيبة : أن تذكر الرجل بما يكرهه ، كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما يكره ، فقيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ فقال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهته " ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) مثل سبحانه الغيبة بأكل الميتة ، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه ، كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه . ذكر معناه الزجاج . وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه ، وأنه كما يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه ، وفي هذا من التنفير عن الغيبة والتوبيخ لها والتوبيخ لفاعلها والتشنيع عليه ما لا يخفي ، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية ، وتستكرهه الجبلة البشرية ، فضلا عن كونه محرما شرعا ( فكرهتموه ) قال الفراء : تقديره فقد كرهتموه فلا تفعلوا ، والمعنى : فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا قال الرازي : الفاء في تقدير جواب كلام ، كأنه قال : لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه فكرهتموه إذن . وقال أبو البقاء : هو معطوف على محذوف تقديره : عرض عليكم ذلك فكرهتموه ( واتقوا الله ) بترك ما أمركم باجتنابه ( إن الله تواب رحيم ) لمن اتقاه وتاب عما فرط منه من الذنب ومخالفة الأمر . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال : قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم " لو أتيت عبد الله ابن أبي ، فانطلق إليه وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة ، فلما انطلق إليه قال : إليك عني ، فوالله لقد آذاني ريح حمارك ، فقال رجل من الأنصار : والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أطيب ريحا منك ، فغضب لعبد الله رجال من قومه ، فغضب لكل منهما أصحابه ، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال ، فنزلت فيهم ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) الآية " . وقد روى نحو هذا من وجوه أخر . وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر قال : ما وجدت في نفسي من شئ ما وجدت في نفسي من هذه الآية ، إني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : إن الله أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفة من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله وينصف بعضهم من بعض ، فإذا أجابوا حكم فيهم يحكم كتاب الله حتى ينصف المظلوم ، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ ، وحق على إمام المؤمنين والمؤمنين أن يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ويقروا بحكم الله . وأخرج ابن