الشوكاني
64
فتح القدير
الصحابة ، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة ، وإياها عنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله " تقتل عمارا الفئة الباغية " ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الخوارج " يخرجون على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق " ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ) السخرية : الاستهزاء : وحكى أبو زيد : سخرت به وضحكت به وهزأت به . وقال الأخفش : سخرت منه وسخرت به ، وضحكت منه وضحكت به ، وهزأت منه وهزأت به ، كل ذلك يقال ، والاسم السخرية والسخرى ، وقرئ بهما في - ليتخذ بعضهم بعضا سخريا - ، ومعنى الآية : النهي للمؤمنين عن أن يستهزئ بعضهم ببعض ، وعلل هذا النهي بقوله ( عسى أن يكونوا خيرا منهم ) أي أن يكون المسخور بهم عند الله خيرا من الساخرين بهم ، ولما كان لفظ قوم مختصا بالرجال ، لأنهم القوم على النساء أفرد النساء بالذكر فقال ( ولا نساء من نساء ) أي ولا يسخر نساء من نساء ( عسى أن يكن ) المسخور بهن ( خيرا منهن ) يعني خيرا من الساخرات منهن ، وقيل أفرد النساء بالذكر لأن السخرية منهن أكثر ( ولا تلمزوا أنفسكم ) اللمز العيب ، وقد مضى تحقيقه في سورة براءة عند قوله - ومنهم من يلمزك في الصدقات - قال ابن جرير : اللمز باليد والعين واللسان والإشارة ، والهمز لا يكون إلا باللسان ، ومعنى ( لا تلمزوا أنفسكم ) لا يلمز بعضكم بعضا كما في قوله - ولا تقتلوا أنفسكم - وقوله - فسلموا على أنفسكم - قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير : لا يطعن بعضكم على بعض . وقال الضحاك : لا يلعن بعضكم بعضا ( ولا تنابزوا بالألقاب ) التنابز : التفاعل من النبز بالتسكين وهو المصدر ، والنبز بالتحريك اللقب ، والجمع أنباز ، والألقاب جمع لقب ، وهو اسم غير الذي سمي به الإنسان ، والمراد هنا لقب السوء ، والتنابز بالألقاب أن يلقب بعضهم بعضا . قال الواحدي : قال المفسرون : هو أن يقول لأخيه المسلم يا فاسق يا منافق ، أو يقول لمن أسلم يا يهودي يا نصراني ، قال عطاء : هو كل شئ أخرجت به أخاك من الإسلام ، كقولك يا كلب يا حمار يا خنزير . قال الحسن ومجاهد : كان الرجل يعير بكفره ، فيقال له يا يهودي يا نصراني فنزلت ، وبه قال قتادة وأبو العالية وعكرمة ( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ) أي بئس الاسم الذي يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الإيمان ، والاسم هنا بمعنى الذكر . قال ابن زيد : أي بئس أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه وتوبته . وقيل المعنى : أن من فعل ما نهى عنه من السخرية واللمز والنبذ فهو فاسق . قال القرطبي : إنه يستثني من هذا من غلب عليه الاستعمال كالأعرج والأحدب ولم يكن له سبب يجد في نفسه منه عليه ، فجوزته الأئمة واتفق على قوله أهل اللغة اه ، ( ومن لم يتب ) عما نهى الله عنه ( فأولئك هم الظالمون ) لارتكابهم ما نهى الله عنه وامتناعهم من التوبة ، فظلموا من لقبوه ، وظلمهم أنفسهم بما لزمها من الإثم ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ) أو الظن هنا : هو مجرد التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم غيره بشئ من الفواحش ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك ، وأمر سبحانه باجتناب الكثير ليفحص المؤمن عن كل ظن يظنه حتى يعلم وجهه ، لأن من الظن ما يجب اتباعه ، فإن أكثر الأحكام الشرعية مبنية على الظن ، كالقياس وخبر الواحد ودلالة العموم ، ولكن هذا الظن الذي يجب العمل به قد قوى بوجه من الوجوه الموجبة للعمل به فارتفع عن الشك والتهمة . قال الزجاج : هو أن يظن بأهل الخير سوءا ، فأما أهل السوء والفسوق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم . قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان : هو أن يظن بأخيه المسلم سوءا ، ولا بأس به ما لم يتكلم به ، فإن تكلم بذلك الظن وأبداه أثم . وحكى القرطبي عن أكثر العلماء : أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز ، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح ، وجملة ( إن بعض الظن إثم ) تعليل لما قبلها من الأمر باجتناب كثير من الظن ، وهذا البعض هو ظن السوء بأهل