الشوكاني

48

فتح القدير

في محل نصب على الحال ، والمعنى : أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كعقده مع الله سبحانه من غير تفاوت . وقال الكلبي : المعنى إن نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة . وقيل يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء . وقال ابن كيسان : قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) أي فمن نقض ما عقد من البيعة فإنما ينقض على نفسه ، لأن ضرر ذلك راجع إليه لا يجوزوه إلى غيره ( ومن أوفى بما عاهد عليه الله ) أي يثبت على الوفاء بما عاهد الله عليه في البيعة لرسوله . قرأ الجمهور " عليه " بكسر الهاء وقرأ حفص والزهري بضم هاء ( فسيؤتيه أجرا عظيما ) وهو الجنة . قرأ الجمهور " فسيؤتيه " بالتحتية وقرأ نافع وقرأ كثير وابن عامر بالنون ، واختار القراءة الأولى أبو عبيد وأبو حاتم واختار القراءة الثانية الفراء ( سيقول لك المخلفون من الأعراب ) هم الذين خلفهم الله عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية . قال مجاهد وغيره : يعنى أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل ، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة . وقيل تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سافر إلى مكة عام الفتح بعد أن كان قد استنفرهم ليخرجوا معه ، والمخلف المتروك ( شغلتنا أموالنا وأهلونا ) أي منعنا عن الخروج معك ما لنا من الأموال والنساء والذراري وليس لنا من يقوم بهم ويخلفنا عليهم ( فاستغفر لنا ) ليغفر الله لنا ما وقع منا من التخلف عنك بهذا السبب ، ولما كان طلب الاستغفار منهم ليس عن اعتقاد بل على طريقة الاستهزاء ، وكانت بواطنهم مخالفة لظواهرهم فضحهم الله سبحانه بقوله ( يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) وهذا هو صنيع المنافقين والجملة مستأنفة لبيان ما تنطوي عليه بواطنهم ويجوز أن تكون بدلا من الجملة الأولى . ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عنهم فقال ( قل فمن يملك لكم من الله شيئا ) أي فمن يمنعكم مما أراده الله بكم من خير وشر ، ثم بين ذلك فقال ( إن أراد بكم ضرا ) أي إنزال ما يضركم من ضياع الأموال وهلاك الأهل . قرأ الجمهور " ضرا " بفتح الضاد وهو مصدر ضررته ضرا . وقرأ حمزة والكسائي بضمها وهو اسم ما يضر ، وقيل هما لغتان ( أو أراد بكم نفعا ) أي نصرا وغنيمة ، وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم يدفع عنه الضر ويجلب لهم النفع ، ثم أضرب سبحانه عن ذلك وقال ( بل كان الله بما تعملون خبيرا ) أي إن تخلفكم ليس لما زعمتم ، بل كان الله خبيرا بجميع ما تعملونه من الأعمال التي من جملتها تخلفكم ، وقد علم أن تخلفكم لم يكن لذلك ، بل للشك والنفاق وما خطر لكم من الظنون الفاسدة الناشئة عن عدم الثقة بالله ، ولهذا قال ( بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ) وهذه الجملة مفسرة لقوله ( بل كان الله بما تعملون خبيرا ) لما فيها من الإبهام : أي بل ظننتم أن العدو يستأصل المؤمنين بالمرة فلا يرجع منهم أحد إلى أهله ، فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة ( وزين ذلك في قلوبكم ) أي وزين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم فقبلتموه . قرأ الجمهور " وزين " مبنيا للمفعول ، وقرئ مبنيا للفاعل ( وظننتم ظن السوء ) أن الله سبحانه لا ينصر رسوله ، وهذا الظن إما هو الظن الأول ، والتكرير للتأكيد والتوبيخ ، والمراد به ما هو أعم من الأول ، فيدخل الظن الأول تحته دخولا أوليا ( وكنتم قوما بورا ) أي هلكى قال الزجاج : هالكين عند الله ، وكذا قال مجاهد : قال الجوهري : البور الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه قال أبو عبيد ( قوما بورا ) هلكى ، وهو جمع بائر ، مثل حائل وحول ، وقد بار فلان : أي هلك ، وأباره الله أهلكه ( ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيرا ) هذا الكلام مستأنف من جهة الله سبحانه غير داخل تحت ما أمر الله سبحانه رسوله أن يقوله : أي ومن لم يؤمن بهما كما صنع هؤلاء المخلفون ، فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير ( ولله ملك السماوات والأرض ) يتصرف فيه كيف يشاء لا يحتاج إلى أحد من خلقه ، وإنما