الشوكاني

49

فتح القدير

نعبدهم بما تعبدهم ليثيب من أحسن ويعاقب من أساء ، ولهذا قال ( يغفر لمن يشاء ) أن يغفر له ( ويعذب من يشاء ) أن يعذبه - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون - ( وكان الله غفورا رحيما ) أي كثير المغفرة والرحمة بليغها يخص بمغفرته ورحمته من يشاء من عباده ( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ) المخلفون هؤلاء المذكورون سابقا ، والظرف متعلق بقوله " سيقول " والمعنى سيقولون عند انطلاقكم أيها المسلمون ( إلى مغانم ) يعنى مغانم خيبر ( لتأخذوها ) لتحوزوها ( ذرونا نتبعكم ) أي اتركونا نتبعكم ونشهد معكم غزوة خيبر . وأصل القصة أنه لما انصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المسلمين من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر ، وخص بغنائمها من شهد الحديبية ، فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون : ذرونا نتبعكم ، فقال الله سبحانه ( يريدون أن يبدلوا كلام الله ) أي يغيروا كلام الله ، والمراد بهذا الكلام الذي أرادوا أن يبدلوه هو مواعيد الله لأهل الحديبية خاصة بغنيمة خيبر . وقال مقاتل : يعنى أمر الله لرسوله أن لا يسير معه أحد منهم . وقال ابن زيد : هو قوله تعالى - فإذا استأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا - واعترض هذا ابن جرير وغيره بأن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة والأول أولى ، وبه قال مجاهد وقتادة ، ورجحه ابن جرير وغيره . قرأ الجمهور " كلام الله " وقرأ حمزة والكسائي " كلم الله " قال الجوهري : الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير ، والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة مثل نبقة ونبق . ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يمنعهم من الخروج معه فقال ( قل لن تتبعونا ) هذا النفي هو في معنى النهي ، والمعنى : لا تتبعونا ( كذلكم قال الله من قبل ) أي من قبل رجوعنا من الحديبية أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة ليس لغيرهم فيها نصيب ( فسيقولون ) يعنى المنافقين عند سماع هذا القول ، وهو قوله " لن تتبعونا " ( بل تحسدوننا ) أي بل ما يمنعكم من خروجنا معكم إلا الحسد لئلا نشارككم في الغنيمة ، وليس ذلك بقول الله كما تزعمون . ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله ( بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ) أي لا يعلمون إلا علما قليلا ، وهو علمهم بأمر الدنيا ، وقيل لا يفقهون من أمر الدين إلا فقها قليلا ، وهو ما يصنعونه نفاقا بظواهرهم دون بواطنهم . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وتعزروه ) يعنى الإجلال ( وتوقروه ) يعنى التعظيم ، يعنى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والضياء في المختارة عنه في قوله ( وتعزروه ) قال : تضربوا بين يديه بالسيف . وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله قال " لما أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية ( وتعزروه ) قال لأصحابه : ما ذاك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : لتنصروه " . وأخرج أحمد وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، وعلى النفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم ، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب ، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة ، فمن وفى وفى الله له ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه " . وفي الصحيحين من حديث جابر " أنهم كانوا في بيعة الرضوان خمس عشرة مائة " وفيهما عنه أنهم كانوا أربع عشرة مائة ، وفي البخاري من حديث قتادة عن سعيد بن المسيب أنه سأله كم كانوا في بيعة الرضوان ؟ قال : خمس عشرة مائة ، فقال له : إن جابرا قال كانوا أربع عشرة مائة ، قال رحمه الله : وهم هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة .