الشوكاني

479

فتح القدير

زلزالها المخصوص الذي يستحقه ويقتضيه جرمها وعظمها . قرأ الجمهور " زلزالها " بكسر الزاي ، وقرأ الجحدري وعيسى بفتحها ، وهما مصدران بمعنى ، وقيل المكسور مصدر والمفتوح اسم . قال القرطبي : والزلزال بالفتح مصدر كالوسواس والقلقال . ( وأخرجت الأرض أثقالها ) أي ما في جوفها من الأموات والدفائن ، والأثقال جمع ثقل ، قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها . قال مجاهد : أثقالها موتاها تخرجهم في النفخة الثانية ، وقد قيل للإنس والجن الثقلان ، وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير ( وقال الإنسان مالها ) أي قال كل فرد من أفراد الإنسان ما لها زلزلت ؟ لما يدهمه من أمرها ويبهره * من خطبها ، وقيل المراد بالإنسان الكافر ، وقوله : مالها مبتدأ وخبر ، وفيه معنى التعجيب : أي أي شئ لها ، أو لأي شئ زلزلت . وأخرجت أثقالها ؟ وقوله ( يومئذ ) بدل من إذا ، والعامل فيهما قوله ( تحدث أخبرها ) ويجوز أن يكون العامل في إذا محذوفا والعامل في يومئذ تحدث ، والمعنى : يوم إذا زلزلت وأخرجت تخبر بأخبارها وتحدثهم بما عمل عليها من خير وشر ، وذلك إما بلسان الحال حيث يدل على ذلك دلالة ظاهرة ، أو بلسان المقال ، بأن ينطقها الله سبحانه . وقيل هذا متصل بقوله ( وقال الإنسان مالها ) أي قال مالها ( تحدث أخبارها ) متعجبا من ذلك ، وقال يحيى بن سلام : تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها ، وقيل تحدث بقيام الساعة ، وأنها قد أتت وأن الدنيا قد انقضت . قال ابن جرير : تبين أخبارها بالرجفة والزلزلة وإخراج الموتى ، ومفعول تحدث الأول محذوف والثاني هو أخبارها : أي تحدث الخلق أخبارها ( بأن ربك أوحى لها ) متعلق بتحدث ، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها ، وقيل الباء زائدة ، وأن وما في حيزها بدل من أخبارها ، وقيل الباء سببية : أي بسبب إيحاء الله إليها . قال الفراء : تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه لها ، واللام في أوحى لها بمعنى إلى وإنما أثرت على إلى لموافقة الفواصل ، والعرب تضع لام الصفة موضع إلى ، كذا قال أبو عبيدة . وقيل إن أوحى يتعدى باللام تارة ، وبإلى أخرى ، وقيل إن اللام على بابها من كونها للعلة ، والموحى إليه محذوف ، وهو الملائكة ، والتقدير : أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض : أي لأجل ما يفعلون فيها ، والأول أولى ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ) الظرف إما بدل من يومئذ الذي قبله ، وإما منصوب بمقدر هو أذكر ، وإما منصوب بما بعده ، والمعنى : يوم إذ يقع ما ذكر يصدر الناس من قبورهم إلى موقف الحساب أشتاتا : أي متفرقين ، والصدر : الرجوع وهو ضد الورود ، وقيل يصدرون من موضع الحساب إلى الجنة أو النار ، وانتصاب أشتاتا على الحال : والمعنى : أن بعضهم آمن وبعضهم خائف ، وبعضهم بلون أهل الجنة وهو البياض ، وبعضهم بلون أهل النار وهو السواد ، وبعضهم ينصرف إلى جهة اليمين وبعضهم إلى جهة الشمال ، مع تفرقهم في الأديان واختلافهم في الأعمال ( ليروا أعمالهم ) متعلق بيصدر ، وقيل فيه تقديم وتأخير : أي تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ) . قرأ الجمهور " ليروا " مبنيا للمفعول ، وهو من رؤية البصر : أي ليريهم الله أعمالهم . وقرأ الحسن والأعرج وقتادة وحماد بن سلمة ونصر بن عاصم وطلحة بن مصرف على البناء للفاعل ، ورويت هذه القراءة عن نافع ، والمعنى : ليروا جزاء أعمالهم ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) أي وزن نملة ، وهي أصغر ما يكون من النمل . قال مقاتل : فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرة خيرا يره يوم القيامة في كتابه فيفرح به ، ( و ) كذلك ( من يعمل ) في الدنيا ( مثقال ذرة شرا يره ) يوم القيامة فيسوؤه ، ومثل هذه الآية قوله - إن الله لا يظلم مثقال ذرة - . وقال بعض أهل اللغة : إن الذرة هو أن يضرب الرجل بيده على الأرض فما علق من التراب فهو الذرة ، وقيل الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء ، والأول أولى ، ومنه قول امرئ القيس :