الشوكاني

466

فتح القدير

ولو قال أسفل سافل لجاز ، لأن الإنسان باعتبار اللفظ واحد . وقيل معنى رددناه أسفل سأفلين : رددناه إلى الضلال ، كما قال - إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات - أي إلا هؤلاء فلا يردون إلى ذلك ( فما يكذبك بعد بالدين ) الخطاب للإنسان الكافر ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ وإلزام الحجة : أي إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم ، وأنه يردك أسفل سافلين ، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء ؟ وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أي أي شئ يكذبك يا محمد بعد ظهور هذه الدلائل الناطقة ، فاستيقن مع ما جاءك من الله أنه أحكم الحاكمين . قال الفراء والأخفش : المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين ، كأنه قال : من يقدر على ذلك ؟ أي على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر ، واختار هذا ابن جرير . والدين الجزاء ، ومنه قول الشاعر : دنا تميما كما كانت أوائلنا * دانت أوائلهم من سالف الزمن وقال الآخر : ولما صرح الشر * فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوان * دناهم كما دانوا ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) أي أليس الذي فعل ما فعل مما ذكرنا بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا ؟ حتى تتوهم عدم الإعادة والجزاء ، وفيه وعيد شديد للكفار ، ومعنى أحكم الحاكمين : أتقن الحاكمين في كل ما يخلق ، وقيل أحكم الحاكمين قضاء وعدلا . والاستفهام إذا دخل على النفي صار الكلام إيجابا كما تقدم تفسير قوله - ألم نشرح لك صدرك - . وقد أخرج الخطيب وابن عساكر قال السيوطي بسند فيه مجهول عن الزهري عن أنس قال : لما أنزلت سورة التين والزيتون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرح فرحا شديدا حتى تبين لنا شدة فرحه ، فسألنا ابن عباس عن تفسيرها فقال : التين بلاد الشام ، والزيتون بلاد فلسطين ، وطور سيناء الذي كلم الله عليه موسى وهذا البلد الأمين مكة ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) محمدا ( ثم رددناه أسفل سافلين ) عبدة اللات والعزى ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ( فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين ) إذ بعثك فيهم نبيا وجمعك على التقوى يا محمد ، ومثل هذا التفسير من ابن عباس لا تقوم به حجة لما تقدم من كون في إسناده ذلك المجهول . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( والتين والزيتون ) قال : مسجد نوح الذي بنى على الجودي ، والزيتون قال : بيت المقدس ( وطور سنين ) قال : مسجد الطور ( وهذا البلد الأمين ) قال : مكة ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين ) يقول : يرد إلى أرذل العمر كبر حتى ذهب عقله ، هم نفر كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سفهت عقولهم ، فأنزل الله عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم ( فما يكذبك بعد بالدين ) يقول : بحكم الله . وأخرج ابن مردويه عنه نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عنه أيضا ( والتين والزيتون ) قال : الفاكهة التي يأكلها الناس ( وطور سينين ) قال : الطور الجبل ، والسينين المبارك . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : سينين هو الحسن . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) قال في أعدل خلق ( ثم رددناه أسفل سافلين ) يقول :