الشوكاني
465
فتح القدير
عن الشارع . وقال محمد بن كعب : التين مسجد أصحاب الكهف ، والزيتون مسجد إيلياء ، وقيل إنه على أحد مضاف : أي ومنابت التين والزيتون . قال النحاس : لا دليل على هذا من ظاهر التنزيل ، ولا من قول من لا يجوز خلافه ( وطور سينين ) هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى اسمه الطور ، ومعنى سينين : المبارك الحسن بلغة الحبشة قاله قتادة . وقال مجاهد : هو المبارك بالسريانية . وقال مجاهد والكلبي : سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء بلغة النبط . قال الأخفش : طور : جبل ، وسينين شجر ، واحدته سينة . قال أبو علي الفارسي : سينين فعليل فكررت اللام التي هي نون فيه ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سيناء لأنه جعل اسما للبقعة ، وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام ، وهي الأرض المقدسة كما في قوله - إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله - وأعظم بركة حلت به ووقعت عليه تكليم الله لموسى عليه . قرأ الجمهور " سينين " بكسر السين ، وقرأ ابن إسحاق وعمرو ابن ميمون وأبو رجاء بفتحها ، وهي لغة بكر وتميم . وقرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود والحسن وطلحة " سيناء " بالكسر والمد ( وهذا البلد الأمين ) يعني مكة ، سماه أمينا لأنه آمن كما قال - أنا جعلنا حرما آمنا - يقال أمن الرجل أمانة فهو أمين . قال الفراء وغيره : الأمين بمعنى الآمن ، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) هذا جواب القسم : أي خلقنا جنس الإنسان كائنا في أحسن تقويم وتعديل . قال الواحدي : قال المفسرون : إن الله خلق كل ذي روح مكبا على وجهه إلا الإنسان ، خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده ، ومعنى التقويم : التعديل ، يقال : قومته فاستقام . قال القرطبي : هو اعتداله واستواء شأنه ، كذا قال عامة المفسرين . قال ابن العربي : ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان ، فإن الله خلقه حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما ، وهذه صفات الرب سبحانه ، وعليها حمل بعض العلماء قوله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله خلق آدم على صورته " يعني على صفاته التي تقدم ذكرها . قلت : وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه - ليس كمثله شئ - وقوله - ولا يحيطون به علما - ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه الإنسان من بديع الخلق وعجيب الصنع فلينظر في كتاب العبر والاعتبار للجاحظ ، وفي الكتاب الذي عقده النيسابوري على قوله - وفي أنفسكم أفلا تبصرون - وهو في مجلدين ضخمين ( ثم رددناه أسفل سافلين ) أي رددناه إلى أرذل العمر ، وهو الهرم والضعف بعد الشباب والقوة حتى يصير كالصبي فيخرف وينقص عقله ، كذا قال جماعة من المفسرين . قال الواحدي : والسافلون هم الضعفاء والزمناء والأطفال ، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا . وقال مجاهد وأبو العالية والحسن : المعنى ثم رددنا الكافر إلى النار ، وذلك أن النار درجات بعضها أسفل من بعض ، فالكافر يرد إلى أسفل الدرجات السافلة ، ولا ينافي هذا قوله تعالى - إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار - فلا مانع من كون الكفار والمنافقين مجتمعين في ذلك الدرك الأسفل ، وقوله ( أسفل سافلين ) إما حال من المفعول : أي رددناه حال كونه أسفل سافلين ، أو صفة لمقدر محذوف : أي مكانا أسفل سافلين ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) هذا الاستثناء على القول الأول منقطع : أي لكن الذين آمنوا الخ ، ووجهه أن الهرم والرد إلى أرذل العمر يصاب به المؤمن كما يصاب به الكافر فلا يكون لاستثناء المؤمنين على وجه الاتصال معنى . وعلى القول الثاني يكون الاستثناء متصلا من ضمير رددناه ، فإنه في معنى الجمع : أي رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات - ( فلهم أجر غير ممنون ) أي غير مقطوع : أي فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم ، فهذه الجملة على القول الأول مبينة لكيفية حال المؤمنين ، وعلى القول الثاني مقررة لما يفيده الاستثناء من خروج المؤمنين عن حكم الرد ، وقال : أسفل سافلين على الجمع ، لأن الإنسان في معنى الجمع ،