الشوكاني
464
فتح القدير
تفسير سورة التين هي ثمان آيات وهي مكية في قول الجمهور ، وروى القرطبي عن ابن عباس أنها مدنية ، ويخالف هذه الرواية ما أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال : أنزلت سورة التين بمكة . وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله . وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن البراء بن عازب قال : " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فصلى العشاء فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون ، فما سمعت أحدا أحسن صوتا ولا قراءة منه " . وأخرج الخطيب عنه قال : " صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المغرب ، فقرأ بالتين والزيتون " . وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد في مسنده والطبراني عن عبد الله بن يزيد " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في المغرب . والتين والزيتون " . وأخرج ابن قانع وابن السكن والشيرازي في الألقاب عن زرعة بن خليفة قال " أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اليمامة ، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا ، فلما صلينا الغداة قرأ بالتين والزيتون ، وإنا أنزلناه في ليلة القدر " . سورة التين ( 1 - 8 ) قال أكثر المفسرين : هو التين الذي يأكله الناس ( والزيتون ) الذي يعصرون منه الزيت ، وإنما أقسم بالتين ، لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص وفيها أعظم عبرة لدلالتها على من هيأها لذلك ، وجعلها على مقدار اللقمة . قال كثير من أهل الطب : إن التين أنفع الفواكه للبدن وأكثرها غذاء ، وذكروا له فوائد كما في كتب المفردات والمركبات ، وأما الزيتون فإنه يعصر منه الزيت الذي هو إدام غالب البلدان ، ودهنهم ، ويدخل في كثير من الأدوية . وقال الضحاك : التين المسجد الحرام ، والزيتون المسجد الأقصى . وقال ابن زيد : التين مسجد دمشق ، والزيتون مسجد بيت المقدس . وقال قتادة : التين الجبل الذي عليه دمشق ، والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس . وقال عكرمة وكعب الأحبار : التين دمشق ، والزيتون بيت المقدس . وليت شعري ما الحامل لهؤلاء الأئمة على العدول عن المعنى الحقيقي في اللغة العربية ، والعدول إلى هذه التفسيرات البعيدة عن المعنى ، المبنية على خيالات لا ترجع إلى عقل ولا نقل . وأعجب من هذا اختيار ابن جرير للآخر منها مع طول باعه في علم الرواية والدراية . قال الفراء : سمعت رجلا يقول : التين جبال حلوان إلى همدان ، والزيتون جبال الشام . قلت : هب أنك سمعت هذا الرجل ، فكان ماذا ؟ فليس بمثل هذا تثبيت اللغة ، ولا هو نقل