الشوكاني
461
فتح القدير
معنى شرح الصدر : فتحه بإذهاب ما يصد عن الإدراك ، والاستفهام إذا دخل على النفي قرره ، فصار المعنى : قد شرحنا لك صدرك ، وإنما خص الصدر لأنه محل أحوال النفس من العلوم والإدراكات ، والمراد الامتنان عليه صلى الله عليه وآله وسلم بفتح صدره وتوسيعه حتى قام بما قال به من الدعوة ، وقدر على ما قدر عليه من حمل أعباء النبوة وحفظ الوحي ، وقد مضى القول في هذا عند تفسير قوله - أفمن شرح الله صدر " للإسلام فهو على نور من ربه - ( ووضعنا عنك وزرك ) معطوف على معنى ما تقدم ، لا على لفظه : أي قد شرحنا لك صدرك ووضعنا الخ ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان : ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح أي أنتم خير من ركب المطايا ، وأندى الخ . قرأ الجمهور " نشرح " بسكون الحاء بالجزم ، وقرأ أبو جعفر المنصور العباسي بفتحها . قال الزمخشري : قالوا لعله بين الحاء وأشبعها في مخرجها ، فظن السامع أنه فتحها . وقال ابن عطية : إن الأصل ألم نشرحن بالنون الخفيفة ، ثم إبدالها ألفا ، ثم حذفها تخفيفا كما أنشد أبو زيد : من أي يومى من الموت أفر * أيوم لم يقدر أم يوم قدر بفتح الراء من لم يقدر ، ومثله قوله : اضرب عنك الهموم طارقها * ضربك بالسيف قونس الفرس بفتح الباء من اضرب ، وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم بلم ، وهو قليل جدا كقوله : يحسبه الجاهل ما لم يعلما * شيخا على كرسيه معمما فقد تركبت هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة : الأول توكيد المجزوم بلم ، وهو ضعيف . الثاني إبدالها ألفا ، وهو خاص بالوقف ، فإجراء الوصل مجرى الوقف ضعيف . والثالث حذف الألف ، وهو ضعيف أيضا لأنه خلاف الأصل ، وخرجها بعضهم على لغة بعض العرب الذين ينصبون بلم ويجزمون بلن ، ومنه قول الشاعر : في كل ما هم أمضى رأيه قدما * ولم يشاور في إقدامه أحدا بنصب الراء من يشاور ، وهذه اللغة لبعض العرب ما أظنها تصح ، وإن صحت فليست من اللغات المعتبرة فإنها جاءت بعكس ما عليه لغة العرب بأسرها . وعلى كل حال فقراءة هذا الرجل مع شدة جوره ومزيد ظلمه وكثرة جبروته وقلة علمه ليست بحقيقة بالاشتغال بها . والوزر : الذنب أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية . قال الحسن وقتادة والضحاك ومقاتل : المعنى حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية ، وهذا كقوله - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر - ثم وصف هذا الوزر فقال ( الذي أنقض ظهرك ) قال المفسرون : أي أثقل ظهرك . قال الزجاج : أثقله حتى سمع له نقيض : أي صوت ، وهذا مثل معناه : أنه لو كان حملا يحمل لسمع نقيض ظهره ، وأهل اللغة يقولون : أنقض الحمل ظهر الناقة : إذا سمع له صرير ، ومنه قول جميل : وحتى تداعت بالنقيض حباله * وهمت ثواني زوره أن تحطما وقول العباس بن مرداس : وأنقض ظهري ما تطويت منهم * وكنت عليهم مشفقا متحننا قال قتادة : كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذنوب قد أثقلته فغفرها الله له ، وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت له : وكذا قال أبو عبيدة وغيره