الشوكاني

462

فتح القدير

وقرأ ابن مسعود " وحللنا عنك وقرك " ثم ذكر سبحانه منته عليه وكرامته فقال ( ورفعنا لك ذكرك ) قال الحسن : وذلك أن الله لا يذكر في موضع إلا ذكر معه صلى الله عليه وآله وسلم . قال قتادة : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة ، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادى ، فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله . قال مجاهد : ( ورفعنا لك ذكرك ) يعني بالتأذين . وقيل المعنى : ذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله وأمرناهم بالبشارة به ، وقيل رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وعند المؤمنين في الأرض . والظاهر أن هذا الرفع لذكره الذي أمتن الله به عليه يتناول جميع هذه الأمور ، فكل واحد منها من أسباب رفع الذكر ، وكذلك أمره بالصلاة والسلام عليه ، وإخباره صلى الله عليه وآله وسلم عن الله عز وجل أن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرا ، وأمر الله بطاعته كقوله - أطيعوا الله وأطيعوا الرسول - وقوله - وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا - وقوله - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله - وغير ذلك . وبالجملة فقد ملأ ذكره الجليل السماوات والأرضين ، وجعل الله له من لسان الصدق والذكر الحسن والثناء الصالح ما لم يجعله لأحد من عباده - ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم - اللهم صل وسلم عليه وعلى آله عدد ما صلى عليه المصلون بكل لسان في كل زمان ، وما أحسن قول حسان : أغر عليه للنبوة خاتم * من الله مشهور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي مع اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد ( فإن مع العسر يسرا ) أي إن مع الضيقة سعة ، ومع الشدة رخاء ، ومع الكرب فرج . وفي هذا وعد منه سبحانه بأن كل عسير يتيسر ، وكل شديد يهون ، وكل صعب يلين . ثم زاد سبحانه هذا الوعد تقريرا وتأكيدا ، فقال مكررا له بلفظ ( إن مع العسر يسرا ) أي إن مع ذلك العسر المذكور سابقا يسرا آخر لما تقرر من أنه إذا أعيد المعرف يكون الثاني عين الأول سواء كان المراد به الجنس أو العهد ، بخلاف المنكر إذا أعيد فإنه يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالفرد الأول في الغالب ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معنى هذه الآية " لن يغلب عسر يسرين " قال الواحدي : وهذا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والمفسرين على أن العسر واحد واليسر اثنان . قال الزجاج : ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره ، فصار المعنى : إن مع العسر يسرين . قيل والتنكير في اليسر للتفخيم والتعظيم ، وهو في مصحف ابن مسعود غير مكرر . قرأ الجمهور بسكون السين في العسر واليسر في الموضعين . وقرأ يحيى بن وثاب وأبو جعفر وعيسى بضمها في الجميع ( فإذا فرغت فانصب ) أي إذا فرغت من صلاتك ، أو من التبليغ ، أو من الغزو فانصب : أي فاجتهد في الدعاء واطلب من الله حاجتك ، أو فانصب في العبادة ، والنصب التعب ، يقال نصب ينصب نصبا : أي تعب . قال قتادة والضحاك ومقاتل والكلبي : إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء وأرغب إليه في المسألة يعطك ، وكذا قال مجاهد : قال الشعبي : إذا فرغت من التشهد فادعو لدنياك وآخرتك ، وكذا قال الزهري . وقال الكلبي أيضا : إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب : أي استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات . وقال الحسن وقتادة : إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربك . وقال مجاهد أيضا : إذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك ( وإلى ربك فارغب ) قال الزجاج : أي اجعل رغبتك إلى الله وحده . قال عطاء : يريد أنه يضرع إليه راهبا من النار ، راغبا في الجنة ، والمعنى : أنه يرغب إليه سبحانه لا إلى غيره كائنا من كان ، فلا يطلب حاجاته إلا منه ،