الشوكاني

45

فتح القدير

تقديره : إنا فتحنا لك لتعرف أنك مغفور لك معصوم . وقال ابن عطية : المراد أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك ، فكأنها لام الصيرورة . وقال أبو حاتم : هي لام القسم وهو خطأ ، فإن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها . واختلف في معنى قوله ( ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) فقيل ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة ، وما تأخر بعدها قاله مجاهد وسفيان الثوري وابن جرير والواحدي وغيرهم . وقال عطاء : ما تقدم من ذنبك : يعني ذنب أبويك آدم وحواء ، وما تأخر من ذنوب أمتك . وما أبعد هذا عن معنى القرآن . وقيل ما تقدم من ذنب أبيك إبراهيم ، وما تأخر من ذنوب النبيين من بعده ، وهذا كالذي قبله . وقيل ما تقدم من ذنب يوم بدر ، ما تأخر من ذنب يوم حنين ، وهذا كالقولين الأولين في البعد . وقيل لو كان ذنب قديم أو حديث لغفرنا ، لك ، وقيل غير ذلك مما لا وجه له ، والأول أولى . ويكون المراد بالذنب بعد الرسالة ترك ما هو الأولى ، وسمى ذنبا في حقه لجلالة قدره وإن لم يكن ذنبا في حق غيره ( ويتم نعمته عليك ) باظهار دينك على الدين كله ، وقيل بالجنة ، وقيل بالنبوة والحكمة ، وقيل بفتح مكة والطائف وخيبر ، والأولى أن يكون المعنى : ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم ، وهو الإسلام ، ومعنى يهديك يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه ( وينصرك الله نصرا عزيزا ) أي غالبا منيعا لا يتبعه ذل ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) أي السكون والطمأنينة بما يسره لهم من الفتح لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) أي ليزدادوا بسبب تلك السكينة إيمانا منضما إلى إيمانهم الحاصل لهم من قبل . قال الكلبي : كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم وقال الربيع بن أنس : خشية مع خشيتهم . وقال الضحاك : يقينا مع يقينهم ( ولله جنود السماوات والأرض ) يعنى الملائكة والإنس والجن والشياطين يدبر أمرهم كيف يشاء ، ويسلط بعضهم على بعض ويحوط بعضهم ببعض ( وكان الله عليما ) كثير العلم بليغه ( حكيما ) في أفعاله وأقواله ( ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ) هذه اللام متعلقة بمحذوف يدل عليه ما قبله تقديره يبتلى بتلك الجنود من يشاء ، فيقبل الخير من أهله والشر ممن قضى له به ليدخل ويعذب ، وقيل متعلقة بقوله ( إنا فتحنا ) كأنه قال : إنا فتحنا لك فتحنا ليدخل ويعذب . وقيل متعلقة بينصرك : أي نصرك الله بالمؤمنين ليدخل ويعذب ، وقيل متعلقة بيزدادوا : أي يزدادوا ليدخل ويعذب ، والأول أولى ( ويكفر عنهم سيئاتهم ) أي يسترها ولا يظهرها ولا يعذبهم بها ، وقدم الإدخال على التكفير مع أن الأمر بالعكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى ، والمقصد الأسنى ( وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ) أي وكان ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم عند الله وفي حكمه فوزا عظيما : أي ظفرا بكل مطلوب ونجاة من كل غم وجلبا لكل نفع ودفعا لكل ضر ، وقوله ( عند الله ) متعلق بمحذوف على أنه حال من فوزا ، لأنه صفة في الأصل ، فلما قدم صار حالا : أي كائنا عند الله ، والجملة معترضة بين جزاء المؤمنين وجزاء المنافقين والمشركين . ثم لما فرغ مما وعد به صالحي عباده ذكر ما يستحقه غيرهم فقال ( ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) وهو معطوف على يدخل : أي يعذبهم في الدنيا بما يصل إليهم من الهموم والغموم بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام وقهر المخالفين له وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر ، وفي الآخرة بعذاب جهنم . وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشد منهم عذابا وأحق منهم بما وعدهم الله به . ثم وصف الفريقين ، فقال ( الظانين بالله ظن السوء ) وهو ظنهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغلب وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام .