الشوكاني
46
فتح القدير
ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله - بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا - ( عليهم دائرة السوء ) أي ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم ، والمعنى : أن العذاب والهلاك الذي يتوقعونه للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم . قال الخليل وسيبويه : السوء هنا الفساد . قرأ الجمهور " السوء " بفتح السين . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمها ( وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ) لما بين سبحانه أن دائرة السوء عليهم في الدنيا بين ما يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة وعذاب جهنم ( ولله جنود السماوات والأرض ) من الملائكة والإنس والجن والشياطين ( وكان الله عليما حكيما ) كرر هذه الآية لقصد التأكيد ، وقيل المراد بالجنود هنا جنود العذاب كما يفيده التعبير بالعزة هنا مكان العلم هنالك . وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجمع بن حارثة الأنصاري قال : شهدنا الحديبية ، فلما انصرفنا عنها حتى بلغنا كراع الغميم ، إذ الناس يوجفون الأباعر ، فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس ؟ فقالوا : أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته عند كراع الغميم ، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) ، فقال رجل : أي رسول الله أو فتح هو ؟ قال : إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح ، فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين ، وأعطى الراجل سهما . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال : أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي ، وكان إذا أتاه اشتد عليه ، فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله فأخبرنا أنه أنزل عليه ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) وأخرج البخاري وغيره عن أنس في قوله ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) قال : الحديبية وأخرج البخاري وغيره عن البراء قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية . وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) قال : فتح مكة " وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن المغيرة بن شعبة قال : " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي حتى ترم قدماه ، فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال : أفلا أكون عبدا شكورا " وفي الباب أحاديث . وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله " ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) قال : السكينة هي الرحمة وفي قوله ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) قال : إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة ، فلما صدقوا بها زادهم الصيام ، فلما صدقوا به زادهم الزكاة ، فلما صدقوا بها زادهم الحج ، فلما صدقوا به زادهم الجهاد . ثم أكمل لهم دينهم فقال - اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا - . قال ابن عباس : فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله " . وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) قال : تصديقا مع تصديقهم . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال : لما أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) مرجعه من الحديبية . قال : " لقد أنزلت على آية هي أحب إلي مما على الأرض ثم قرأها عليهم . فقالوا : هنيئا مريئا يا رسول الله ، قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا ؟ فنزلت عليه ( ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ) حتى بلغ ( فوزا عظيما ) "