الشوكاني
366
فتح القدير
لا شئ كما في هذه الآية . ثم شرع سبحانه في تفصيل أحكام الفصل فقال ( إن جهنم كانت مرصادا ) قال الأزهري : المرصاد المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو . قال المبرد : مرصادا يرصدون به : أي هو معد لهم يرصد به خزنتها الكفار . قال الحسن : إن على الباب رصدا لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليهم ، فمن جاء بجواز جاز ، ومن لم يجئ بجواز حبس . وقال مقاتل : محبسا ، وقيل طريقا وممرا . قال في الصحاح : الراصد للشئ الراقب له يقال رصده يرصده رصدا ، والرصد الترقب ، والمرصد موضع الرصد . قال الأصمعي : رصدته أرصده ترقبته ، ومعنى الآية : أن جهنم كانت في حكم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار ليعذبوهم فيها ، أو هي في نفسها متطلعة لمن يأتي إليها من الكفار كما يتطلع الرصد لمن يمر به ويأتي إليهم ، والمرصاد مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار ، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار . ثم ذكر من هي مرصد له فقال ( للطاغين مآبا ) أي مرجعا يرجعون إليه ، والمآب المرجع ، يقال آب يئوب : إذا رجع ، والطاغي هو من طغى بالكفر ، وللطاغين نعت لمرصادا متعلق بمحذوف ، ومآبا بدل من مرصادا ، ويجوز أن يكون للطاغين في محل نصب على الحال من مآبا قدمت عليه لكونه نكرة ، وانتصاب ( لابثين فيها ) على الحال المقدرة من الضمير المستكن في الطاغين . قرأ الجمهور " لابثين " بالألف . وقرأ حمزة والكسائي " لبثين " بدون ألف ، وانتصاب ( أحقابا ) على الظرفية : أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب ، وهي لا تنقطع ، وكلما مضى حقب جاء حقب ، وهي جمع حقب بضمتين ، وهو الدهر ، والأحقاب الدهور ، والحقب بضم الحاء وسكون القاف ، قيل هو ثمانون سنة ، وحكى الواحدي عن المفسرون أنه بضع وثمانون سنة ، السنة ثلاثمائة وستون يوما ، اليوم ألف سنة من أيام الدنيا . وقيل الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغساق ، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العذاب . وقال السدي : الحقب سبعون سنة . وقال بشير بن كعب : ثلاثمائة سنة . وقال ابن عمر : أربعون سنة ، وقيل ثلاثون ألف سنة . قال الحسن : الأحقاب لا يدري أحدكم هي ، ولكن ذكروا أنها مائة حقب ، والحقب الواحد منها سبعون ألف سنة ، اليوم منها كألف سنة . وقيل الآية محمولة على العصاة الذين يخرجون من النار ، والأولى ما ذكرناه أولا من أن المقصود بالآية التأبيد لا التقييد . وحكى الواحدي : عن الحسن أنه قال : والله ما هي إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ، ثم آخر ، ثم كذلك إلى الأبد ، وجملة ( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ) مستأنفة لبيان ما اشتملت عليه من أنهم لا يذوقون في جهنم أو في الأحقاب بردا ينفعهم من حرها ولا شرابا ينفعهم من عطشها إلا حميما ، وهو الماء الحار ، وغساقا وهو صديد أهل النار . ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير الطاغين ، أو صفة للأحقاب ، والاستثناء منقطع عند من جعل البرد النوم ، ويجوز أن يكون متصلا من قوله ( شرابا ) وقال مجاهد والسدي وأبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي : البرد المذكور في هذه الآية هو النوم ، ومنه قول الكندي : بردت مراشفها على فصدني * عنها وعن تقبيلها البرد أي النوم . قال الزجاج : أي لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل ولا نوم ، فجعل البرد يشمل هذه الأمور . وقال الحسن وعطاء وابن زيد : بردا : أي روحا وراحة . قرأ الجمهور " غساقا " بالتخفيف . وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين ، وقد تقدم تفسيره وتفسير الحميم والخلاف فيهما في سورة ص ( جزاء وفاقا ) أي موافقا لأعمالهم ، وجزاء منتصب على المصدر ، ووفاقا نعت له . قال الفراء والأخفش : جازيناهم جزاء وافق أعمالهم ، قال الزجاج :