الشوكاني

34

فتح القدير

خوف سبحانه الكفار بأنه قد أهلك من هو أشد منهم فقال ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم ) قد قدمنا أن كأين مركبة من الكاف وأي ، وأنها بمعنى كم الخبرية : أي وكم من قرية ، وأنشد الأخفش قول الوليد : وكأين رأينا من ملوك وسوقة * ومفتاح قيد للأسير المكبل ومعنى الآية : وكم من أهل قرية هم أشد قوة من قريتك التي أخرجوك منها أهلكناهم ( فلا ناصر لهم ) فبالأولى من هو أضعف منهم وهم قريش الذين هم أهل قرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي مكة ، فالكلام على حذف المضاف كما في قوله - وأسأل القرية - قال مقاتل : أي أهلكناهم بالعذاب حين كذبوا رسولهم . ثم ذكر سبحانه الفرق بين حال المؤمن وحال الكافر فقال ( أفمن كان على بينة من ربه ) والهمزة للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر كنظائره ، ومن مبتدأ ، والخبر ( كمن زين له سوء عمله ) وأفرد في هذا باعتبار لفظ من ، وجمع في قوله ( واتبعوا أهواءهم ) باعتبار معناها ، والمعنى : أنه لا يستوى من كان على يقين من ربه ولا يكون كمن زين له سوء عمله ، وهو عبادة الأوثان والإشراك بالله والعمل بمعاصي الله ، واتبعوا أهواءهم في عبادتها ، وانهمكوا في أنواع الضلالات بلا شبهة توجب الشك فضلا عن حجة نيرة . ثم لما بين سبحانه الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بين الفرق في مرجعهما ومآلهما فقال ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) والجملة مستأنفة لشرح محاسن الجنة وبيان ما فيها ، ومعنى مثل الجنة وصفها العجيب الشأن ، وهو مبتدأ وخبره محذوف . قال النضر بن شميل : تقديره ما يسمعون ، وقدره سيبويه فيما يتلى عليكم مثل الجنة ، قال : والمثل هو الوصف ومعناه وصف الجنة ، وجملة ( فيها أنهار من ماء غير آسن ) الخ مفسرة للمثل . وقيل إن مثل زائدة ، وقيل إن مثل الجنة مبتدأ ، والخبر فيها أنهار ، وقيل خبره كمن هو خالد ، والآسن المتغير ، يقال أسن الماء يأسن أسونا : إذا تغيرت رائحته ، ومثله الآجن ، ومنه قول زهير : قد أترك القرن مصفرا أنامله * يميد في الرمح ميد المالح الأسن قرأ الجمهور " آسن " بالمد . وقرأ حميد وابن كثير بالقصر ، وهما لغتان كحاذر وحذر . وقال الأخفش ، إن الممدود يراد به الاستقبال ، والمقصود يراد به الحال ( وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ) أي لم يحمض كما تغير ألبان الدنيا ، لأنها لم تخرج من ضروع الإبل والغنم والبقر ( وأنهار من خمر لذة للشاربين ) أي لذيذة لهم طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون ، يقال شراب لذ ولذيذ وفيه لذة بمعنى ، ومثل هذه الآية قوله - بيضاء لذة للشاربين - قرأ الجمهور " لذة " بالجز صفة لخمر ، وقرئ بالنصب على أنه مصدر ، أو مفعول له . وقرئ بالرفع صفة لأنهار ( وأنهار من عسل مصفى ) أي مصفى مما يخالطه من الشمع والقذى والعكر والكدر ( ولهم فيها من كل الثمرات ) أي لأهل الجنة في الجنة مع ما ذكر من الأشربة من كل الثمرات : أي من كل صنف من أصنافها ، و " من " زائدة للتوكيد ( ومغفرة من ربهم ) لذنوبهم ، وتنكير مغفرة للتعظيم : أي ولهم مغفرة عظيمة كائنة من ربهم ( كمن هو خالد في النار ) هو خبر لمبتدأ محذوف ، والتقدير : أم من هو في نعيم الجنة على هذه الصفة خالدا فيها كمن هو خالد في النار أو خبر لقوله مثل الجنة كما تقدم . ورجح الأول الفراء فقال : أراد أمن كان في هذا النعيم كم هو خالد في النار . وقال الزجاج : أي أفمن كان على بينة من ربه وأعطى هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار ، فقوله " كمن " بدل من قوله " أفمن زين له سوء عمله " وقال ابن كيسان : ليس مثل الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم ، وليس مثل أهل الجنة في النعيم كمثل أهل النار في العذاب الأليم ،