الشوكاني

35

فتح القدير

وقوله ( وسقوا ماء حميما ) عطف على الصلة عطف جملة فعلية على اسمية لكنه راعى في الأولى لفظ من ، وفي الثانية معناها ، والحميم الماء الحار الشديد للغليان ، فإذا شربوه قطع أمعاءهم ، وهو معنى قوله ( فقطع أمعاءهم ) لفرط حرارته . والأمعاء جمع معي ، وهي ما في البطون من الحوايا ( ومنهم من يستمع إليك ) أي من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام من يستمع إليك وهم المنافقون ، أفرد الضمير باعتبار لفظ من ، وجمع في قوله ( حتى إذا خرجوا من عندك ) باعتبار معناها ، والمعنى : أن المنافقين كانوا يحضرون مواقف وعظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومواطن خطبة التي يمليها على المسلمين حتى إذا خرجوا من عنده ( قالوا للذين أوتوا العلم ) وهم علماء الصحابة ، وقيل عبد الله بن عباس ، وقيل عبد الله بن مسعود ، وقيل أبو الدرداء ، والأول أولى : أي سألوا أهل العلم فقالوا لهم ( ماذا قال آنفا ) أي ماذا قال النبي الساعة على طريقة الاستهزاء ، والمعنى : أنا لم نلتفت إلى قوله ، وآنفا يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات ، ومنه أمر آنف : أي مستأنف ، وروضة أنف : أي لم يرعها أحد ، وانتصابه على الظرفية : أي وقتا مؤتنفا ، أو حال من الضمير في قال . قال الزجاج : هو من استأنفت الشئ : إذا ابتدأته ، وأصله مأخوذ من أنف الشئ لما تقدم منه ، مستعار من الجارحة ، ومنه قول الشاعر : ويحرم سر جارتهم عليهم * ويأكل جارهم أنف القصاع والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى المذكورين من المنافقين ( الذين طبع الله على قلوبهم ) فلم يؤمنوا ولا توجهت قلوبهم إلى شئ من الخبر ( واتبعوا أهواءهم ) في الكفر والعناد . ثم ذكر حال أضدادهم فقال ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) أي والذين اهتدوا إلى طريق الخير ، فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به زادهم هدى بالتوفيق ، وقيل زادهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل زادهم القرآن . وقال الفراء : زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى وقيل زادهم نزول الناسخ هدى ، وعلى كل تقدير فالمراد أنه زادهم إيمانا وعلما وبصيرة في الدين ( وآتاهم تقواهم ) أي ألهمهم إياها وأعانهم عليها . والتقوى قال الربيع : هي الخشية . وقال السدى : هي ثواب الآخرة . وقال مقاتل : هي التوفيق للعمل الذي يرضاه ، وقيل العمل بالناسخ وترك المنسوخ ، وقيل ترك الرخص والأخذ بالعزائم ( فهل ينظرون إلا الساعة ) أي القيامة ( أن تأتيهم بغتة ) أي فجأة ، وفي هذا وعيد للكفار شديد ، وقوله ( أن تأتيهم بغتة ) بدل من الساعة بدل اشتمال . وقرأ أبو جعفر الرواسي " إن تأتهم " بأن الشرطية ( فقد جاء أشراطها ) أي أماراتها وعلاماتها وكانوا قد قرءوا في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخر الأنبياء ، فبعثته من أشراطها ، قاله الحسن والضحاك والأشراط جمع شرط بسكون الراء وفتحها . وقيل المراد بأشراطها هنا : أسبابها التي هي دون معظمها . وقيل أراد بعلامات الساعة انشقاق القمر والدخان ، كذا قال الحسن ، وقال الكلبي : كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام وقلة الكرام وكثرة اللئام ، ومنه قول أبي زيد الأسود : فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا * فقد جعلت أشراط أوله تبدو ( فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ) ذكراهم مبتدأ وخبره فأنى لهم : أي أنى لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة كقوله - يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى - وإذا جاءتهم اعتراض بين المبتدأ والخبر ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) أي إذا علمت أن مدار الخير هو التوحيد والطاعة ، ومدار الشر هو الشرك والعمل بمعاصي الله فاعلم أنه لا إله غيره ولا رب سواه ، والمعنى : أثبت على ذلك واستمر عليه ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد كان عالما بأنه لا إله إلا الله قبل هذا ، وقيل ما علمته استدلالا فاعلمه خبرا يقينا . وقيل المعنى : فاذكر أنه لا إله إلا الله ، فعبر عن الذكر