الشوكاني

317

فتح القدير

مقصورة ، واختار هذه القراءة أبو حاتم . وقرأ أبو العالية وابن أبي إسحاق ومجاهد وأبو عمرو وابن عامر وحميد وابن محيصن والمغيرة وأبو حيوة بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة ، واختار هذه القراءة أبو عبيد ، فالمعنى على القراءة الأولى أن الصلاة في ناشئة الليل أثقل على المصلي من صلاة النهار ، لأن الليل للنوم . قال ابن قتيبة : المعنى أنها أثقل على المصلى من ساعات النهار ، من قول العرب : اشتدت على القوم وطأة السلطان : إذا ثقل عليهم ما يلزمهم منه ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم اشدد وطأتك على مضر " والمعنى على القراءة الثانية أنها أشد مواطأة : أي موافقة ، من قولهم : واطأت فلانا على كذا مواطأة ووطاء : إذا وافقته عليه . قال مجاهد وابن أبي مليكة : أي أشد موافقة بين السمع والبصر والقلب واللسان لانقطاع الأصوات والحركات فيها ، ومنه - ليواطئوا عدة ما حرم الله - أي ليوافقوا . وقال الأخفش : أشد قياما . وقال الفراء : أي أثبت للعمل ، وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة ، والليل وقت الفراغ عن الاشتغال بالمعاش ، فعبادته تدوم ولا تنقطع . وقال الكلبي : أشد نشاطا ( وأقوم قيلا ) أي وأشد مقالا وأثبت قراءة لحضور القلب فيها وهدوء الأصوات ، وأشد استقامة واستمرار على الصواب ، لأن الأصوات فيها هادئة والدنيا ساكنة فلا يضطرب على المصلى ما يقرؤه . قال قتادة ومجاهد : أي أصوب للقراءة وأثبت للقول ، لأنه زمان التفهم . قال أبو علي الفارسي : أقوم قيلا : أي أشد استقامة لفراغ البال بالليل . قال الكلبي : أي أبين قولا بالقرآن . وقال عكرمة : أي أتم نشاطا وإخلاصا وأكثر بركة . وقال ابن زيد : أجدر أن يتفقه في القرآن ، وقيل أعجل إجابة للدعاء ( إن لك في النهار سبحا طويلا ) قرأ الجمهور " سبحا " بالحاء المهملة : أي تصرفا في حوائجك وإقبالا وإدبارا وذهابا ومجيئا ، والسبح : الجري والدوران ، ومنه السباحة في الماء لتقلبه ببدنه ورجليه ، وفرس سابح : أي شديد الجري . وقيل السبح الفراغ : أي إن لك فراغا بالنهار للحاجات ، فصل بالليل . قال ابن قتيبة : أي تصرفا وإقبالا وإدبارا في حوائجك وأشغالك . وقال الخليل : إن لك في النهار سبحا : أي نوما ، والتسبح التمدد . قال الزجاج : المعنى إن فاتك في الليل شئ فلك في النهار فراغ للاستدراك . وقرأ يحيى بن يعمر وأبو وائل وابن أبي عبلة " سبخا " بالحاء المعجمة ، قيل ومعنى هذه القراءة : الخفة والسعة والاستراحة . قال الأصمعي : يقال سبخ الله عنك الحمى : أي خففها ، وسبخ الحر فتر وخف ، ومنه قول الشاعر : فسبح عليك الهم واعلم بأنه * إذا قدر الرحمن شيئا فكائن أي خفف عنك الهم . والتسبيح من القطن ما ينسج بعد الندف ، ومنه قول الأخطل : فأرسلوهن يذرين التراب كما * تدري سبائخ قطن ندف أوتار * قال ثعلب : السبخ بالحاء المعجمة التردد والاضطراب ، والسبخ السكون . وقال أبو عمرو : السبخ النوم والفراغ ( واذكر اسم ربك ) أي ادعه بأسمائه الحسنى ، وقيل اقرأ باسم ربك في ابتداء صلاتك ، وقيل أذكر اسم ربك في وعده ووعيده لتوفر على طاعته وتبعد عن معصيته ، وقيل المعنى : دم على ذكر ربك ليلا ونهارا واستكثر من ذلك . وقال الكلبي : المعنى صل لربك ( وتبتل إليه تبتيلا ) أي انقطع إليه انقطاعا بالاشتغال بعبادته ، والتبتل الانقطاع ، يقال بتلت الشئ : أي قطعته وميزته من غيره ، وصدقة بتلة : أي منقطعة من مال صاحبها ، ويقال لراهب متبتل لانقطاعه عن الناس ، ومنه قول الشاعر : تضئ الظلام بالعشاء كأنها * منارة ممسى راهب متبتل