الشوكاني

318

فتح القدير

ووضع نبتيلا مكان تبتلا لرعاية الفواصل . قال الواحدي : والتبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله ( رب المشرق والمغرب ) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وابن عامر بجر رب على النعت لربك أو البدل منه أو البيان له . وقرأ الباقون برفعه على أنه مبتدأ وخبره ( لا إله إلا هو ) أو على أنه خبر مبتدإ محذوف : أي هو رب المشرق . وقرأ زيد بن علي بنصبه على المدح . وقرأ الجمهور " المشرق والمغرب " مفردين ، وقرأ ابن مسعود وابن عباس " المشارق والمغارب " على الجمع ، وقد قدمنا تفسير المشرق والمغرب ، والمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب ( فاتخذه وكيلا ) أي إذا عرفت أنه المختص بالربوبية فاتخذه وكيلا : أي قائما بأمورك ، وعول عليه في جميعها ، وقيل كفيلا بما وعدك من الجزاء والنصر ( واصبر على ما يقولون ) من الأذى والسب والاستهزاء ولا تجزع من ذلك ( واهجرهم هجرا جميلا ) أي لا تتعرض لهم ولا تشتغل بمكافأتهم ، وقيل الهجر الجميل الذي لا جزع فيه ، وهذا كان قبل الأمر بالقتال ( وذرني والمكذبين ) أي دعني وإياهم ولا تهتم بهم فإني أكفيك أمرهم وأنتقم لك منهم . قيل نزلت في المطعمين يوم بدر ، وهم عشرة وقد تقدم ذكرهم . وقال يحيى بن سلام : هم بنو المغيرة . وقال سعيد بن جبير : أخبرت أنهم اثنا عشر ( أولي النعمة ) أي أرباب الغنى والسعة والترفه واللذة في الدنيا ( ومهلهم قليلا ) أي تمهيلا قليلا على أنه نعت لمصدر محذوف ، أو زمانا قليلا على أنه صفة لزمان محذوف ، والمعنى أمهلهم إلى انقضاء آجالهم ، وقيل إلى نزول عقوبة الدنيا بهم كيوم بدر ، والأول أولى لقوله ( إن لدينا أنكالا ) وما بعده فإنه وعيد لهم بعذاب الآخرة ، والأنكال جمع نكل وهو القيد ، كذا قال الحسن ومجاهد وغيرهما . وقال الكلبي : الأنكال : الأغلال ، والأول أعرف في اللغة ، ومنه قول الخنساء : أتوك فقطعت أنكالهم * وقد كن قبلك لا تقطع * وقال مقاتل : هي أنواع العذاب الشديد . وقال أبو عمران الجوني : هي قيود لا تحل ( وجحيما ) أي نارا مؤججة ( وطعاما ذا غصة ) أي لا يسوغ في الحلق بل ينشب فيه ، فلا ينزل ولا يخرج . قال مجاهد : هو الزقوم . وقال الزجاج : هو الضريع كما قال - ليس لهم طعام إلا من ضريع - قال : وهو شوك العوسج . قال عكرمة : هو شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج ، والغصة : الشجا في الحلق ، وهو ما ينشب فيه من عظم أو غيره ، وجمعها غصص ( وعذابا أليما ) أي ونوعا آخر من العذاب غير ما ذكر ( يوم ترجف الأرض والجبال ) انتصاب الظرف إما بذرني ، أو بالاستقرار المتعلق به لدينا ، أو هو صفة لعذاب فيتعلق بمحذوف : أي عذابا واقعا يوم ترجف ، أو متعلق بأليما . قرأ الجمهور " ترجف " بفتح التاء وضم الجيم مبنيا للفاعل ، وقرأ زيد بن علي على البناء للمفعول ، مأخوذ من أرجفها ، والمعنى : تتحرك وتضطرب بمن عليها ، والرجفة : الزلزلة والرعدة الشديدة ( وكانت الجبال كثيبا مهيلا ) أي وتكون الجبال ، وإنما عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه ، والكثيب الرمل المجتمع ، والمهيل الذي يمر تحت الأرجل . قال الواحدي : أي رملا سائلا : يقال لكل شئ أرسلته إرسالا من تراب أو طعام أهلته هيلا . قال الضحاك والكلبي : المهيل الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها ، وإذا أخذت أسفله انهال ، ومنه قول حسان : عرفت ديار زينب بالكثيب * كحظ الوحي في الورق القشيب * ( إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ) الخطاب لأهل مكة أو لكفار العرب أو لجميع الكفار ، والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والمعنى : يشهد عليكم يوم القيامة بأعمالكم ( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ) يعني