الشوكاني
300
فتح القدير
قوله ( قال نوح رب إنهم عصوني ) أي استمروا على عصياني ولم يجيبوا دعوتي ، شكاهم إلى الله عز وجل ، أخبره بأنهم عصوه ولم يتبعوه وهو أعلم بذلك ( واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ) أي اتبع الأصاغر رؤساءهم ، وأهل الثروة منهم الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالا في الدنيا وعقوبة في الآخرة . قرأ أهل المدينة والشام وعاصم وولده بفتح الواو واللام . وقرأ الباقون بسكون اللام ، وهي لغة في الولد ، ويجوز أن يكون جمعا ، وقد تقدم تحقيقه ، ومعنى واتبعوا : أنهم استمروا على اتباعهم لا أنهم أحدثوا الاتباع ( ومكروا مكرا كبارا ) أي مكرا كبيرا عظيما ، يقال : كبير وكبار وكبار مثل عجيب وعجاب وعجاب ، وجميل وجمال وجمال . قال المبرد : كبارا بالتشديد للمبالغة ، ومثل كبارا قراء لكثير القراءة ، وأنشد ابن السكيت : بيضاء تصطاد القلوب وتستبي * بالحسن قلب المسلم القراء قرأ الجمهور " كبارا " بالتشديد . وقرأ ابن محيصن وحميد ومجاهد بالتخفيف . قال أبو بكر : هو جمع كبير كأنه جعل مكرا مكان ذنوب أو أفاعيل ، فلذلك وصفه بالجمع . وقال عيسى بن عمر : هي لغة يمانية . واختلف في مكرهم هذا ما هو ؟ فقيل هو تحريشهم سفلتهم على قتل نوح ، وقيل هو تغريدهم على الناس بما أوتوا من المال والولد حتى قال الضعفة : لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم . وقال الكلبي : هو ما جعلوه لله من الصاحبة والولد . وقال مقاتل : هو قول كبرائهم لأتباعهم لا تذرن آلهتكم ، وقيل مكرهم كفرهم ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ) أي لا تتركوا عبادة آلهتكم ، وهي الأصنام والصور التي كانت لهم ، ثم عبدتها العرب من بعدهم ، وبهذا قال الجمهور ( ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ) أي لا تتركوا عبادة هذه . قال محمد ابن كعب : هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح ، فنشأ بعدهم قوم يقتدون بهم في العبادة ، فقال لهم إبليس : لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأسوق إلى العبادة ، ففعلوا ، ثم نشأ قوم من بعدهم فقال لهم إبليس : إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فاعبدوهم ، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت ، وسميت هذه الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صورة أولئك القوم . وقال عروة بن الزبير وغيره : إن هذه كانت أسماء لأولاد آدم ، وكان ود أكبرهم . قال الماوردي : فأما ود فهو أول صنم معبود ، سمى ودا لودهم له ، وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل في قول ابن عباس وعطاء ومقاتل ، وفيه يقول شاعرهم :