الشوكاني
265
فتح القدير
الحشر والقيامة والنار والعذاب إن كنتم صادقين في ذلك ، والخطاب منهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولمن معه من المؤمنين ، وجواب الشرط محذوف ، والتقدير إن كنتم صادقين فأخبرونا به أو فبينوه لنا ، وهذا منهم استهزاء وسخرية . ثم لما قالوا هذا القول أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عليهم فقال ( قل إنما العلم عند الله ) أي إن وقت قيام الساعة علمه عند الله لا يعلمه غيره ، ومثله قوله - قل إنما علمها عند ربي - ثم أخبرهم أنه مبعوث للإنذار لا للإخبار بالغيب فقال ( وإنما أنا نذير مبين ) أنذركم وأخوفكم عاقبة كفركم وأبين لكم ما أمرني الله ببيانه . ثم ذكر الله سبحانه حالهم عند معاينة العذاب فقال ( فلما رأوه زلفة ) يعنى رأوا العذاب قريبا ، وزلفة مصدر بمعنى الفاعل : أي مزدلفا أو حال من مفعول رأوا بتقدير مضاف : أي ذا زلفة وقرب ، أو ظرف : أي رأوه في مكان ذي زلفة . قال مجاهد : أي قريبا . وقال الحسن : عيانا . قال أكثر المفسرين : المراد عذاب يوم القيامة ، وقال مجاهد : المراد عذاب بدر ، وقيل رأوا ما وعدوا به من الحشر قريبا منهم كما يدل عليه قوله ( وإليه تحشرون ) وقيل لما رأوا عملهم السئ قريبا ( سيئت وجوه الذين كفروا ) أي اسودت وعلتها الكآبة وغشيتها الذلة ، يقال ساء الشئ يسوء فهو سئ إذا قبح . قال الزجاج : المعنى تبين فيها السوء : أي ساءهم ذلك العذاب فظهر عليهم بسببه في وجوههم ما يدل على كفرهم كقوله - يوم تبيض وجوه وتسود وجوه - . قرأ الجمهور بكسر السين بدون إشمام ، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وابن محيصن بالإشمام ( وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ) أي قيل لهم توبيخا وتقريعا هذا المشاهد الحاضر من العذاب هو العذاب الذي كنتم به تدعون في الدنيا : أي تطلبونه وتستعجلون به استهزاء ، على أن معنى تدعون الدعاء . قال الفراء : تدعون تفتعلون من الدعاء : أي تتمنون وتسألون ، وبهذا قال الأكثر من المفسرين . وقال الزجاج : هذا الذي كنتم به تدعون الأباطيل والأحاديث . وقيل معنى تدعون : تكذبون ، وهذا على قراءة الجمهور " تدعون " بالتشديد ، فهو إما من الدعاء كما قال الأكثر ، أو من الدعوى كما قال الزجاج ومن وافقه ، والمعنى : أنهم كانوا يدعون أنه لا بعث ولا حشر ولا جنة ولا نار . وقرأ قتادة وابن أبي إسحاق ويعقوب والضحاك : تدعون مخففا ، ومعناها ظاهر . قال قتادة : هو قولهم - ربنا عجل لنا قطنا - وقال الضحاك : هو قولهم - اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء - الآية . قال النحاس : تدعون وتدعون بمعنى واحد كما تقول قدر واقتدر . وغدا واغتدى ، إلا أن أفعل معناه مضى شيئا بعد شئ ، وفعل يقع على القليل والكثير ( قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ) أي أخبروني إن أهلكني الله بموت أو قتل ، ومن معي من المؤمنين ( أو رحمنا ) بتأخير ذلك إلى أجل ، وقيل المعنى : إن أهلكني الله ومن معي بالعذاب ، أو رحمنا فلم يعذبنا ( فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ) أي فمن يمنعهم ويؤمنهم من العذاب . والمعنى : أنه لا ينجيهم من ذلك أحد سواء أهلك الله ورسوله والمؤمنين معه كما كان الكفار يتمنونه ، أو أمهلهم . وقيل المعنى : إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء ، فمن يجيركم مع كفركم من العذاب ، ووضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر ، وبيان أنه السبب في عدم نجاتهم ( قل هو الرحمن آمنا به ) وحده ، لا نشرك به شيئا ( وعليه توكلنا ) لا على غيره ، والتوكل : تفويض الأمور إليه عز وجل ( فستعلمون من هو في ضلال مبين ) منا ومنكم ، وفي هذا تهديد شديد مع إخراج الكلام مخرج الإنصاف . قرأ الجمهور " ستعلمون " بالفوقية على الخطاب . وقرأ الكسائي بالتحتية على الخبر ، ثم احتج سبحانه عليهم ببعض نعمه ، وخوفهم بسلب تلك النعمة عنهم فقال ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا ) أي أخبروني إن صار ماؤكم غائرا في الأرض بحيث لا يبقى له وجود فيها أصلا ، أو صار ذاهبا في الأرض إلى مكان بعيد بحيث لا تناله الدلاء . يقال