الشوكاني
241
فتح القدير
والخطاب للأزواج ، وقيل للزوجات ، وقيل للمسلمين على العموم ، والأول أولى لأن الضمائر كلها لهم ( واتقوا الله ربكم ) فلا تعصوه فيما أمركم ولا تضاروهن ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) أي التي كنا فيها عند الطلاق ما دمن في العدة ، وأضاف البيوت إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي ، وبيان كمال استحقاقهن للسكنى في مدة العدة ، ومثله قوله - واذكرن ما يتلى في بيوتكن - وقوله - وقرن في بيوتكن - ثم لما نهى الأزواج عن إخراجهن من البيوت التي وقع الطلاق وهن فيها نهى الزوجات عن الخروج أيضا فقال ( ولا يخرجن ) أي لا يخرجن من تلك البيوت ما دمن في العدة إلا لأمر ضروري كما سيأتي بيان ذلك ، وقيل المراد لا يخرجن من أنفسهن إلا إذا أذن لهن الأزواج فلا بأس ، والأول أولى ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) هذا الاستثناء هو من الجملة الأولى : أي لا تخرجوهن من بيوتهن ، لا من الجملة الثانية . قال الواحدي : أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا ، وذلك أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها . وقال الشافعي وغيره : هي البذاء في اللسان والاستطالة بها على من هو ساكن معها في ذلك البيت ، ويؤيد هذا ما قال عكرمة : إن في مصحف أبي " إلا أن يفحشن عليكم " وقيل المعنى : إلا أن يخرجن تعديا ، فإن خروجهن على هذا الوجه فاحشة ، وهو بعيد ، والإشارة بقوله ( وتلك ) إلى ما ذكر من الأحكام وهو مبتدأ وخبره ( حدود الله ) والمعنى : أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حدها لهم لا يحل لهم أن يتجاوزوها إلى غيرها ( ومن يتعد حدود الله ) أي يتجاوزها إلى غيرها أو يخل بشئ منها ( فقد ظلم نفسه ) بإيرادها مورد الهلاك وأوقعها في مواقع الضرر بعقوبة الله له على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه ، وجملة ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها وتعليله . قال القرطبي : قال جميع المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة ، والمعنى : التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث ، فإنه إذا طلق ثلاثا أضر بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع فلا يجد إلى المراجعة سبيلا . وقال مقاتل بعد ذلك : أي بعد طلقة أو طلقتين أمرا بالمراجعة . قال الواحدي : الأمر الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين . قال الزجاج : وإذا طلقها ثلاثا في وقت واحد فلا معنى لقوله - لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا - ( فإذا بلغن أجلهن ) أي قاربن انقضاء أجل العدة وشارفن آخرها ( فأمسكوهن بمعروف ) أي راجعوهن بحسن معاشرة ورغبة فيهن من غير قصد إلى مضارة لهن ( أو فارقوهن بمعروف ) أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن نفوسهن مع إيفائهن بما هو لهن عليكم من الحقوق وترك المضارة لهن ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) على الرجعة ، وقيل على الطلاق ، وقيل عليهما قطعا للتنازع وحسما لمادة الخصومة ، والأمر للندب كما في قوله - وأشهدوا إذا تبايعتم - وقيل إنه للوجوب ، وإليه ذهب الشافعي قال : الإشهاد واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل . وفي قول للشافعي : إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق ، وروى نحو هذا عن أبي حنيفة وأحمد ( وأقيموا الشهادة لله ) هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شاهدوا به تقربا إلى الله ، وقد تقدم تفسير هذا في سورة البقرة ، وقيل الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة : أي الشهود عند الرجعة فيكون قوله ( واشهدوا ذوي عدل منكم ) أمرا بنفس الإشهاد ، ويكون قوله ( وأقيموا الشهادة ) أمرا بأن تكون خالصة لله ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى ما تقدم من الأمر بالإشهاد وإقامة الشهادة لله ، وهو مبتدأ وخبره ( يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ) وخص المؤمن بالله واليوم الآخر لأنه المنتفع بذلك دون غيره ( ومن يتقي الله يجعل له مخرجا ) أي من يتقي عذاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه والوقوف على حدوده التي حدها لعباده وعدم مجاوزتها يجعل له مخرجا مما وقع فيه من الشدائد والمحن ( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) أي من وجه