الشوكاني
233
فتح القدير
ذلك عبد الله بن أبي فقال : أو قد فعلوها ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منه الأذل ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقام عمر فقال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : دعه ، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " زاد الترمذي " فقال له ابنه عبد الله : والله لا تنفلت حتى تقرأنك الذليل ، ورسول الله العزيز ، ففعل " . سورة المنافقين ( 9 - 11 ) لما ذكر سبحانه قبائح المنافقين رجع إلى خطاب المؤمني مرغبا لهم في ذكره فقال ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) فحذرهم عن أخلاق المنافقين الذين ألهتهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله ، ومعنى لا تلهكم : لا تشغلكم ، والمراد بالذكر فرائض الإسلام ، قاله الحسن . وقال الضحاك : الصلوات الخمس وقيل قراءة القرآن ، وقيل هو خطاب للمنافقين ، ووصفهم بالإيمان لكونهم آمنوا ظاهرا ، والأول أولى ( ومن يفعل ذلك ) أي يلتهى بالدنيا عن الدين ( فأولئك هم الخاسرون ) أي الكاملون في الخسران ( وأنفقوا مما رزقناكم ) الظاهر أن المراد الإنفاق في الخير على عمومه ، ومن للتبعيض : أي أنفقوا بعض ما رزقناكم في سبيل الخير ، وقيل المراد الزكاة المفروضة ( من قبل أن يأتي أحدكم الموت ) بأن تنزل به أسبابه ويشاهد حضور علاماته ، وقدم المفعول على الفاعل للاهتمام ( فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ) أي يقول عند نزول ما نزل به مناديا لربه هلا أمهلتني وأخرت موتي إلى أجل قريب : أي أمد قصير ( فأصدق ) أي فأتصدق بمالي ( وأكن من الصالحين ) قرأ الجمهور " فأصدق " بإدغام التاء في الصاد ، وانتصابه على أنه جواب التمني ، وقيل إن لا في لولا زائدة ، والأصل لو أخرتني . وقرأ أبي وابن مسعود وسعيد بن جبير " فأتصدق " بدون إدغام على الأصل . وقرأ الجمهور " وأكن " بالجزم على محل فأتصدق ، كأنه قيل إن أخرتني أتصدق وأكن . قال الزجاج : معناه هلا أخرتني ، وجزم أكن على موضع فأصدق لأنه على معنى إن أخرتني أصدق وأكن . وكذا قال أبو علي الفارسي وابن عطية وغيرهم . وقال سيبويه حاكيا عن الخليل : إنه جزم على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني ، وجعل سيبويه هذا نظير قول زهير : بدا لي أني لست مدرك ما مضى * ولا سابق شيئا إذا كان حائيا فخفض ولا سابق عطفا على مدرك الذي هو خبر ليس على توهم زيادة الباء فيه . وقرأ أبو عمرو وابن محيصن ومجاهد " وأكون " بالنصب عطفا على فأصدق ، ووجهها واضح . ولكن قال أبو عبيد : رأيت في مصحف عثمان " وأكن " بغير واو ، وقرأ عبيد بن عمير " وأكون " بالرفع على الاستئناف : أي وأنا أكون . قال الضحاك : لا ينزل بأحد الموت لم يحج ولم يؤد زكاة إلا سأل الرجعة ، وقرأ هذه الآية ، ثم أجاب الله سبحانه عن هذا المتمني فقال ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ) أي إذا حضر أجلها وانقضى عمرها ( والله خبير بما تعملون ) لا يخفى