الشوكاني

211

فتح القدير

أنه يفر كل منهم من الآخر من شدة الهول كما في قوله - يوم يفر المرء من أخيه - الآية . قيل ويجوز أن يتعلق يوم القيامة بما قبله : أي لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة فيوقف عليه . ويبتدأ بقوله ( يفصل بينكم ) والأولى أن يتعلق بما بعده كما ذكرنا ( والله بما تعملون بصير ) لا يخفى عليه شئ من أقوالكم وأفعالكم ، فهو مجازيكم على ذلك . قرأ الجمهور " يفصل " بضم الياء وتخفيف الفاء وفتح الصاد مبنيا للمفعول ، واختار هذه القراءة أبو عبيد . وقرأ عاصم بفتح الياء وكسر الصاد مبنيا للفاعل . وقرأ حمزة والكسائي بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة . وقرأ علقمة بالنون . وقرأ قتادة وأبو حيوة بضم الياء وكسر الصاد مخففة . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن علي بن أبي طالب قال : " بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا والزبير والمقداد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فأتوني به ، فخرجنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة ، فقلنا أخرجي الكتاب ، قالت ما معي من كتاب ، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما هذا يا حاطب ؟ قال : لا تعجل علي يا رسول الله ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدا يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : صدق ، فقال عمر : دعني أضرب عنقه ، فقال : إنه شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم . ونزلت ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ) " . وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة متضمنة لبيان هذه القصة ، وأن هذه الآيات إلى قوله ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ) نازلة في ذلك .