الشوكاني
212
فتح القدير
لما فرغ سبحانه من النهي عن موالاة المشركين والذم لمن وقع منه ذلك ضرب لهم إبراهيم مثلا حين تبرأ من قومه ، فقال ( قد كانت لكم إسوة حسنة ) أي خصلة حميدة تقتدون بها : يقال لي به أسوة في هذا الأمر : أي اقتداء ، فأرشدهم سبحانه إلى الاقتداء به في ذلك إلا في استغفاره لأبيه . قرأ الجمهور " إسوة " بكسر الهمزة : وقرأ عاصم بضمها وهما لغتان ، وأصل الأسوة بالضم والكسر القدوة ، ويقال هو أسوتك : أي مثلك وأنت مثله : وقوله في إبراهيم والذين معه متعلق بأسوة ، أو بحسنة ، أو هو نعت لأسوة ، أو حال من الضمير المستتر في حسنة ، أو خبر كان ، ولكم للبيان ، والذين معه هم أصحابه المؤمنون . وقال ابن زيد : هم الأنبياء . قال الفراء : يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم فتتبرأ من أهلك كما تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه ، والظرف في قوله ( إذ قالوا لقومهم ) هو خبر كان ، أو متعلق به : أي وقت قولهم لقومهم الكفار ( إنا برآء منكم ) جمع برئ ، مثل شركاء وشريك ، وظرفاء وظريف . قرأ الجمهور " برآء " بضم الباء وفتح الراء وألف بين همزتين ، ككرماء في كريم . وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق بكسر الباء وهمزة واحدة بعد ألف ، ككرام في جمع كريم . وقرأ أبو جعفر بضم الباء وهمزة بعد ألف ( ومما تعبدون من دون الله ) وهي الأصنام ( كفرنا بكم ) أي بما آمنتم به من الأوثان أو بدينكم أو بأفعالكم ( وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ) أي هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم ( حتى تؤمنوا بالله وحده ) وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك ، فإذا فعلتم ذلك صارت تلك العداوة موالاة والبغضاء محبة ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) هو استثناء متصل من قوله : في إبراهيم بتقدير مضاف محذوف ليصح الاستثناء : أي قد كانت لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم إلا قوله لأبيه ، أو من أسوة حسنة ، وصح ذلك لأن القول من جملة الأسوة ، كأنه قيل : قد كانت أسوة حسنة في إبراهيم في جميع أقواله وأفعاله إلا قوله لأبيه ، أو من التبري والقطيعة التي ذكرت : أي لم يواصله إلا قوله ، ذكر هذا ابن عطية ، أو هو منقطع : أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ، فلا تأتسوا به ، فتستغفرون للمشركين ، فإنه كان عن موعدة وعدها إياه ، أو أن ذلك إنما وقع منه لأنه ظن أنه قد أسلم - فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه - وقد تقدم تحقيق هذا في سورة براءة ( وما أملك لك من الله من شئ ) هذا من تمام القوم المستثنى : يعني ما أغني عنك وما أدفع عنك من عذاب الله شيئا ، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل لأستغفرن ، فالاستثناء متوجه إلى الاستغفار لا إلى هذا القيد ، فإنه إظهار للعجز وتفويض للأمر إلى الله ، وذلك من خصال الخير ( ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ) هذا من دعاء إبراهيم وأصحابه ومما فيه أسوة حسنة يقتدى به فيها ، وقيل هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا هذا القول ، والتوكل هو تفويض الأمور إلى الله ، والإنابة الرجوع ، والمصير المرجع ، وتقديم الجار والمجرور لقصر التوكل والإنابة والمصير على الله ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) قال الزجاج : لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتنوا بذلك . وقال مجاهد : لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك ، فيقولوا لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا ( واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز ) أي الغالب الذي لا يغالب ( الحكيم ) ذو الحكمة البالغة ( لقد كان لكم فيهم إسوة