الشوكاني
21
فتح القدير
أحاديث الأولين وأباطيلهم التي سطرونها في الكتب ، قرأ الجمهور : إن وعد الله بكسر إن على الاستئناف أو التعليل وقرأ عمر بن فايد والأعرج بفتحها على أنها معمولة لآمن بتقدير الباء . أي آمن بأن وعد الله بالبعث حق ( أولئك الذين حق عليهم القول ) أي أولئك القائلون هذه المقالات هم الذين حق عليهم القول : أي وجب عليهم العذاب بقوله سبحانه لإبليس - لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين - كما يفيده قوله ( في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ) ، وجملة ( إنهم كانوا خاسرين ) تعليل لما قبله ، وهذا يدفع كون سبب نزول الآية عبد الرحمن ابن أبي بكر وأنه الذي قال لوالديه ما قال ، فإنه من أفاضل المؤمنين ، وليس ممن حقت عليه كلمة العذاب ، وسيأتي بيان سبب النزول في آخر البحث إن شاء الله ( ولكل درجات مما عملوا ) أي لكل فريق من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم ، قال ابن زيد : درجات أهل النار في هذه الآية تذهب سفلا ، ودرجات أهل الجنة تذهب علوا ( وليوفيهم أعمالهم ) أي جزاء أعمالهم . قرأ الجمهور " لنوفيهم " بالنون . وقرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بالياء التحتية . واختار أبو عبيد القراءة الأولى ، واختار الثانية أبو حاتم ( وهم لا يظلمون ) أي لا يزاد مسئ ولا ينقص محسن ، بل يوفى كل فريق ما يستحقه من خير وشر ، والجملة في محل نصب على الحال ، أو مستأنفة مقررة لما قبلها ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار ) الظرف متعلق بمحذوف : أي أذكر لهم يا محمد يوم ينكشف الغطاء فينظرون إلى النار ويقربون منها ، وقيل معنى يعرضون يعذبون من قولهم : عرضه على السيف ، وقيل في الكلام قلب . والمعنى : تعرض النار عليهم ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ) أي يقال لهم ذلك ، قيل وهذا القدر هو الناصب للظرف ، والأول أولى قرأ الجمهور : " أذهبتم " بهمزة واحدة ، وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية ويعقوب وابن كثير بهمزتين مخففتين ، ومعنى الاستفهام التقريع والتوبيخ . قال الفراء والزجاج : العرب توبخ بالاستفهام وبغيره ، فالتوبيخ كائن على القراءتين . قال الكلبي : المراد بالطيبات اللذات وما كانوا فيه من المعايش ( واستمتعتم بها ) أي بالطيبات ، والمعنى : أنهم اتبعوا الشهوات واللذات التي في معاصي الله سبحانه ، ولم يبالوا بالذنب تكذيبا منهم لما جاءت به الرسل من الوعد بالحساب والعقاب والثواب ( فاليوم تجزون عذاب الهون ) أي العذاب الذي فيه ذل لكم وخزي عليكم . قال مجاهد وقتادة : الهون الهوان بلغة قريش ( بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ) أي بسبب تكبركم عن عبادة الله والإيمان به وتوحيده ( وبما كنتم تفسقون ) أي تخرجون عن طاعة الله وتعملون بمعاصيه ، فجعل السبب في عذابهم أمرين : التكبر عن اتباع الحق ، والعمل بمعاصي الله سبحانه وتعالى ، وهذا شأن الكفرة فإنهم قد جمعوا بينهما . وقد أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال : كان مروان على الحجاز استعمله معاوية بن أبي سفيان ، فنخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا ، فقال خذوه ، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه ، فقال مروان : إن هذا أنزل فيه ( والذي قال لوالديه أف لكما ) فقالت عائشة : ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري . وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن محمد بن زياد قال : لما بايع معاوية لابنه ، قال مروان : سنة أبي بكر وعمر ، فقال عبد الرحمن سنة هرقل وقيصر ، فقال مروان : هذا الذي قال الله فيه ( والذي قال لوالديه أف لكما ) الآية ، فبلغ ذلك عائشة فقالت : كذب مروان والله ما هو به ، ولو شئت أن أسمى الذي نزلت فيه لسميته ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن أبا مروان في صلبه ، فمروان من لعنه الله . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : هذا ابن لأبي بكر . وأخرج نحوه أبو حاتم عن السدى ، ولا يصح هذا كما قدمنا .